يوم أغر في تاريخ طرابلس

21 أيار 2018
Author :  

26 نيسان من كل عام، هو يوم تحرير مدينة طرابلس من الغزاة الإفرنج واستردادها، وإعادة بناء المدينة المملوكية بآثارها الإسلامية التي لا يزال أكثرها قائماً حتى الآن،

عنواناً لحضارة الأمة الإسلامية وتراثها العمراني العريق. وبهذه المناسبة المجيدة، يجدر بأبناء الفيحاء ان يتوقفوا قليلاً أمام هذا الحدث التاريخي الجليل في مسيرة مدينتهم، ويستقرئوا وقائع النضال والصمود والجهاد التي خاضها أجدادهم، ورابطوا وجاهدوا في االله حق جهاده، ليرفعوا كلمة الحق والدين، ويذودوا عن ديارهم ضد المستعمر الأجنبي الغاصب . لقد جاءت الحملات - المعروفة في الكتب بالحملات الصليبية - من كافة أنحاء أوروبا والعالم الغربي في القرن الخامس الهجري - الحادي عشر الميلادي، تحت ستار من الدين وحماية الأماكن المقدسة، ولكنها في حقيقة الأمر كانت تخفي أطباع ملوك الإفرنج في استعمار بلاد المشرق العربي الإسلامي، والسيطرة على خيراته، والتحكم في موقعه الإستراتيجي، واستغل الإفرنج إنشقاق العالم الإسلامي في ذلك الوقت بين السلاجقة الأتراك في العراق، والفاطميين في مصر، وقيام إمارات صغيرة في أنحاء بلاد الشام، 2 فقام ملوك أوروبا كلهم بحملاتهم الصليبية، براً وبحراً، واحتلوا سواحل بلاد الشام كلها، وأقاموا إمارات لاتينية تخضع لهم من إنطاكية والرها شمالاً، حتى بيت المقدس وأراضي مصر والأردن جنوباً، أي ما يزيد على مساحة فلسطين المحتلة الآن من الصهاينة عشرات المرات. وكانت طرابلس في ظل أمرائها من بني عمار قاعدة إمارة مستقلة على هذا الساحل تمتد من نواحي اللاذقية شمالاً، حتى جونية وجسر المعاملتين، جنوباً، وتنعم بخيرات اقتصادية، وازدهار في التجارة والصناعة والزراعة والعمران، وحياة ثقافية وفكرية وعلمية قلّ نظيرها في التاريخ، حتى أشاد المؤرخون الثقات بعظيم ثروتها فقالوا إنها من أعظم البلاد تجارة وأغناها ثروة، وهي تفخر بدار العلم ومكتبتها الكبرى التي كانت تحتوي على ثلاثة ملايين مخطوطة، وهي تفوق مكتبات الخلفاء في بغداد والقاهرة وقرطبة مجتمعة. ولقد وقفت طرابلس صامدة في وجه الغزاة عشر سنوات (502 - 492 /هـ 1109-1099 ) م وعانى أهلها من الحصار الطويل حتى افتقر الأغنياء، وأكل الناس الجيف والكلاب، وتخاذل الفاطميون عن نصرتهم، وتجمعت أساطيل الفرنج لحصار المدينة من البحر، وضيقوا الخناق عليها من البر، ومنعوا وصول الغذاء والمساعدة من البلاد القريبة، حتى سقطت المدينة بأيديهم، فدمروا معالمها، وأحرقوا مكتبتها بأمرٍ من قائدهم (برتراند) فضاع على الإنسانية كنز هائلٌ من التراث والعلوم المدونة في المخطوطات النادرة المكتوبة بماء الذهب وبخطوط مؤلفيها، ورزحت طرابلس تحت حكم الغزاة الأوروبيون أكثر من 180 عاماً، وعمل الغزاة على تغيير معالمها العربية والاسلامية، فنشروا نظمهم وقوانينهم، وعملوا على فرض لغاتهم الغربية وعاداتهم، وكذلك فعلوا في كل المدن والبلاد التي احتلوها في الشرق العربي الإسلامي . 3 ولأهمية موقع طرابلس الإستراتيجي، ودورها التاريخي على ساحل الشام، فقد اتخذ منها الصليبيون عاصمة لإحدى إماراتهم اللاتينية بعد إمارة إنطاكية وإمارة الرها، ومملكة بيت المقدس . وإذا كان قد قُدر لإمارة الر أها ن تتحرر على يد الملك الشهيد نور الدين زنكي، وأن ينتصر الناصر صلاح الدين الأيوبي على جيوش ملوك أوروبا في موقعة حطّين ويحرر بيت المقدس، وأن يقوم الملك الظاهر بيبرس باسترداد انطاكية وفتح البلاد التابعة لها، فإن طرابلس ظلت عاصية أمام هجمات المسلمين، فقاومت عماد الدين زنكي، وابنه الشهيد نور الدين، والناصر صلاح الدين، وأخاه الملك العادل الأيوبي، والظاهر بيبرس، حتى قيض االله لها السلطان المنصور قلاوون، سلطان دولة المماليك، فكان موعد تحريرها معه وعلى يديه، حيث خرج بجيشه من القاهرة إلى دمشق، وبها تجمعت الجيوش من مختلف أنحاء بلاد الشام، وانضم الى جيشه النظامي آلاف المتطوعة المغاربة النازحين من الأندلس. خرج من دمشق الى طرابلس في فصل الشتاء، والثلوج تكسو الجبال المشرفة على المدينة، ففاجأ الصليبيين ورابط عند مرتفع القبة، التي عرفت بقبة النصر منذ ذلك التاريخ تمجيداً للفاتح العظيم، وضرب حصاره على الفرنج مدة 33 يوماً، وقذف الفرنج بالمنجنيقات، ونقب الجدر والأسوار واقتحمها تحت غطاء من عشرات آلاف السهام والدبابات الخشبية الثقيلة والأنابيب التي تقذف النار الملتهبة، الى أن فر بعض القادة الفرنج في البحر إلى الجزر أمام الميناء، وقُتل بعضهم، وأُسر آخرون، وخاض المماليك عباب البحر بخيولهم وبعضهم سباحةً إلى جزيرة البقر، حيث فر الصليبيون إليها، وتّم دحر الفرنج في يوم 26 نيسان سنة 1289 ، وسقطت في هذا اليوم قاعدة الإمارة الفرنجية التي أقيمت على أرض مدينتنا العربية الإسلامية بغياً وعدواناً، وعادت طرابلس منذ ذلك التاريخ ثغراً 4 ورباطاً للعرب والمسلمين، وكان يوم 26 نيسان يوم تحرير طرابلس من الاحتلال الفرنجي الأوروبي، ويوم تأسيس المدينة المملوكية التي تفخر بمساجدها ومدارسها وحماماتها وخاناتها وأبراجها وسبل مياهها وقصورها وأسواقها وساحاتها ونقوشها وزخارفها . وقد خفقت قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فرحاً وابتهاحاً بفتح طرابلس وعودتها إلى المسلمين، فأقيمت الاحتفالات والزينات في كل بلاد المسلمين. وبفتح طرابلس تيسر فتح آخر معاقل الغزاة الفرنج في عكا وصور وصيدا وبيروت، وتم طردهم من ديار الشام بعد سنتين 1291 .م وكان من حق الفاتح العظيم القائد المجاهد المنصور قلاوون أن يخلَّد اسمه على أهم معالم طرابلس المملوكية، فكان أن أطلق ابنه على الجامع الكبير الذي أمر ببنائه، لقب أبيه الذي اشتهر به، وأصبح (الجامع المنصوري الكبير) وتمجيداً لجهاده ودوره في تحرير طرابلس. وحري بنا ونحن نستقرئ هذا التاريخ المجيد ونستعيد ذكرى هذه الموقعة الحاسمة، أن نتذكّرها ونرسخ قيمها في نفوس أبنائنا وأجيالنا، ليقرأوا تاريخ مدينتهم العريق بالنضال والجهاد والحضارة. وكما تحررت طرابلس الحبيبة من الغزاة بعد أكثر من 180 عاماً من الاحتلال الآثم، وكما تطهرت الرها وبيت المقدس من الفرنج بعد احتلال دام نحو مئتي عام. فإن االله تعالى سينصر جنده المجاهدين أبطال الحجارة والمقاومة الإسلامية، ويحقق االله على أيديهم النصر بتحرير فلسطين وتطهير بيت المقدس والحرم القدسي الشريف، وليس ذلك على االله بعزيز "ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر االله ألا إن نصر االله قريب". 5 إن أهم درس يمكن أن يستفاد من الذكرى - الحدث هو أن الحق في النهاية لا بد ان ينتصر، وان فترات القهر في حياة الأمم والشعوب لا بد أن تنتهي، وان اليأس ينبغي أن لا يدخل القلوب المؤمنة. فها هي انتفاضة الأقصى في فلسطين المحتلة تقض مضاجع الصهاينة وأعوانهم، ولا بد أن تعود فلسطين عربية كما أعادها صلاح الدين، وكما تحررت طرابلس فستتحرر القدس بإذن االله ولو بعد حين.

15 Views
hayat
Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…