مغترب قرّر العودة الى لبنان

16 شباط/فبراير 2016
Author :  

حَزَم جهاد أمتعته، سلّم أمره لقدره “طوعاً”… ومضى “مكرهاً”.

 

تلك القبلة التي طبعها على وجنَة والدته مدّته بقوة وصلابة، إلّا ان الدمع الذي يسيل من العيون لا حول ولا قوّة على ضبطه… دعوتان من قلبين تحرقهما نار الفراق، تقطّعهما إرباً إرباً:

أم جهاد: “انتبهلي عهالعيون يا تقبر عيون الماما، اللّي رح تكون عم تعدّ الايام تترجع تشوفن وتبوّسن”.

أبو جهاد: “الله معك يا ابني… انشالله التراب اللّي بتمسكو بإيديك يقلب ذهب… انتبه عحالك”.

على وقع هدير محرّك الطائرة الذي يصمّ الآذان، يَستذكر جهاد الاشهر البشعة التي عاشها، ونغّصت فرحته بلقب “مهندس”. فبعد سنين من الكدّ وسهر اللّيالي والـ”تمرمغ” في الباصات على “شبه” طرق لبنان، رمى جهاد وزملاؤه قبّعاتهم في احتفال التخرج على أمل طيّ صفحة “الزرع” وفتح صفحة “الحصاد”، فإذ به يصطدم كغيره من الشبّان اللبنانيين بواقع بلدهم المرير: “لا زرع ينبت في أرض وطنهم ولا من يحزنون”. فبعد “تمرمغ” الباصات طوال سنوات الدراسة، مرحلة جديدة من “البهدلة” والذلّ، ما حتّم “الانتفاض”…

أبى جهاد الرضوخ لواقع “الوسايط” المُقرف، فهو شاب كفيّ، لا تعنيه “التزبيطات”، ولا “يهمّه” طرق أبواب “مافيا” البلد الذين يشترون ويبيعون شبان بلدهم بصوت انتخابي واحد…

رفض الإذعان، اتّخذ قراره الذهاب الى تلك القارّة البعيدة آلاف الكيلومترات التي “حضنته” كما يقول:

“جعلتني أشعر بأنني رجل ذو قيمة، أُنتج وأُكافح، وأصل الى أعلى المراكز، باحترام. تلك القارّة الباردة التي سلختني عن أرضي وأهلي، هي نفسها تُطعمني وتُطعمهم، تعُيلني وتُعيلهم… بعد ان ذاقوا الامرّين لتعليمي وتثقيفي في أحسن المدارس والجامعات، هم من كانوا يبيتون بمعدة خاوية فقط لاطعام وحيدهم”…

سبع سنوات مرّت، وأبو جهاد وأمّه يعيشان على أمل لقاء “فلذتهما”، الذي انشغل بالعمل ليلاً نهاراً، لتجميع مبلغ يخوّله العودة الى أحضان الاهل والوطن الحلم…

سبع سنوات وجهاد يُرجئ العودة، آملاً في أن “يتحسّن وضع البلد قريباً” كما كانت تردد أمّه، توازياً مع تجميع رأس مال يضمن عودة كريمة ليؤسّس ويستثمر قرب أهله.

سبع سنوات استطاعت ان تفعل فعلها بشقٍّ واحد من الحلم، فالبلد لم يتحسن ولن يتحسن، إلا بمعجزة، لكنّ الشقّ الآخر، وهو تجميع مبلغ معقول يؤمن له ولوالديه العيش برفاهية طالما حلم “جهاد” بتقديمها لهما، استطاع تحقيقه. وبعد أن كوته نيران الغربة اتخذ القرار، حزم أمره وقرّر العودة…

لم تكتمل الفرحة لأنّ القدر ضرب ضربته ووصل “جهاد” الى لبنان على خبر وفاة والده الكهل… وما هو إلا أسبوع واحد حتى لاقت والدته المصير نفسه. لكنّها على الأقلّ، أغمضت عيناها وهما تبرقان فرحاً، بعد “البوسة” المنتظرة طوال 7 سنوات…

“جهاد” نموذج للشاب اللبناني المكافح الصادق، الذي يلفظه واقع وطنه إلى غربة يعيش فيها الوحدة والوحشة. يبتعد عن أهله ومحبّيه بحثاً عن مستقبل يليق به وبتعبه طوال سنوات الدراسة. وعندما يقرّر العودة، تتحطّم أحلامه على صخرة الواقع، فالموت ربما خطف والديه، والأصدقاء تشتّتوا في بلدان العالم، وهو نفسه لم يعد يجد نفسه في مجتمع متغيّر… وهكذا بعد الغربة في الخارج يجد نفسه أيضاً في غربة الداخل…

655 Views
Super User
Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…