هكذا قررت الصين أن تعيش وحدها… دون اي التزامات عاطفية، دون أوهام 

هكذا قررت الصين أن تعيش وحدها… دون اي التزامات عاطفية، دون أوهام 

د. لينا الطبال

الصين لم تعد عاشقة، ولا تريد أن تقع في الحب مجددا… وهذا يُربك، كل من يدمن على الخيانة.

العالم اعتاد العشاق الذين يُكثرون الكلام، يوزعون الوعود، يتغنون بالقيم، ثم ينسحبون.

أما الصين، فقد اختارت منذ البداية أن تكون شريكا لا يعدُ بشيء، لا يغازل، لا يكتب رسائل حب طويلة…

منذ سنوات، وتحديدا منذ صعود شي جين بينغ إلى رأس السلطة، اتخذت بكين قرارها، الانسحاب من وهم الحب الكبير، وهم “الاندماج السلمي” في نظام صاغته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وقدمته للمجتمع الدولي على أنه بيت مشترك، بينما كان في الحقيقة شقة مفروشة على ذوق واشنطن وحدها.

 لم تُعلن الصين طلاقها ببيان درامي، ولم تذرف الدموع. ببساطة، تصرفت كما يفعل العاشق الذي اكتشف أن العلاقة غير متكافئة، وأن كل التضحيات كانت تُحسب عليه وحده… وفهمت ما ترددت دول كثيرة في الاعتراف به: هذا النظام لم يعد صالحا إلا لصاحبه، وأن من يبقى داخله، مهما كانت نواياه حسنة، سيبقى تابعا، مستهلكا، ممولا حتى يعجز، وشاهد زور على حبّ نرجسي مؤذي …

هكذا، قررت الصين أن تعيش وحدها… دون اي التزامات عاطفية، دون أوهام رومانسية… ودون استعداد لتفسير كل خطوة تقوم بها على أنها رسالة حب… الصين في الحقيقة لا تريد أن تُحب، لأنها لا تثق بالحب حين يختلط بالتبعية…

أميركا، بالمقابل، تُحب كثيرا… لكن نفسها فقط…أميركا لا تعترف بالعلاقات الهادئة. هي تؤمن فقط بالعلاقات العاصفة التي تنتهي دائما بباب يُغلق بقوة.

حين قرر دونالد ترامب خطف الرئيس نيكولاس مادورو، لم يفكر للحظة بمن قد يتأذى. النرجسي لا يرى سوى صورته حتى لو حطم العالم اجمع… عملية مفاجئة، بلا أي اعتبار لحسابات الآخرين.

بالنسبة للصين، فنزويلا لم تكن نزوة عاطفية عابرة، كانت علاقة استثمارية جدية، فنزويلا هي شريك نفط وبوابة قارية، ورهان طويل النفس في أميركا اللاتينية.

أكثر ما أحرج بكين كان الانكشاف. انكشاف أن شريكها البعيد، الذي استثمرت فيه مليارات، انهار عسكريا خلال ساعات.. كل ما قيل عن أنظمة الرادارات والرصد ورادار الموجات المترية JY-27 “قاتلة للشبح” و JYL-1 رادارات المراقبة بعيدة المدى وكافة الأسلحة والتكنولوجيا المتقدمة، كل العيون الإلكترونية التي امدت بها الصين فنزويلا والتي نُشرت لمراقبة السواحل الأميركية القريبة… لم ترَ أي شيء.

 لم ترَ الجنود وهم يدخلون الى كاركاكاس..

المدرعات البرمائية، المنصّات الميكانيكية، أنظمة الصواريخ المتعددة… كلها عديمة الفائدة…

 سيجري بلا شك تحليل هذا الفشل العسكري من قبل الصين، التي باتت رابع أكبر مصدر للسلاح في العالم. وهذا ما التقطته تايوان فورا حين صرح نائب وزير دفاعها ان السلاح الأميركي “لا يُضاهى”… هو تذكير لبكين بأن العلاقات العسكرية، مثل العلاقات العاطفية، تحتاج صيانة دائمة، لا ثقة عمياء.

أميركا، أطلت على العالم منتشية بنفسها. دونالد ترامب تحدث كمالك عقار استعاد ممتلكاته: النفط الفنزويلي.

اقتصاديا، الضربة كانت مباشرة… نعم.

 فنزويلا بالنسبة للصين هي موطئ قدم يزعج النرجسي الأميركي لأنه يذكره أن المكان ليس ملكه وحده. منذ عشرون عام قدمت بكين أكثر من 100 مليار دولار قروض لتمويل مشاريع بنية تحتية، مقابل تزويدها بالنفط، حيث كانت تستورد نحو 80% من الإنتاج الفنزويلي. رغم أن فنزويلا تأتي بعد السعودية وروسيا في تصدير البترول للصين، الا الوضع اليوم ُيعرض قدرة كاراكاس على سداد ديونها لبكين… لكن أميركا لا تعبأ بالديون حين لا تكون هي الدائن.

 الصين فوجئت، نعم، لكن المفاجأة لم تتحول إلى بكاء. العاشق الصيني لا يصرخ حين يُهان، هو يبتسم ثم ينسحب خطوة، ويبدأ بتغيير مفاتيح البيت. طبعا فهمت بكين أن السيطرة الأميركية على النفط الفنزويلي هي طريقة رخيصة لإغلاق الباب في وجه الحضور الصيني في أميركا الجنوبية، ومحاولة خنق مسار يتوسع بسرعة. وهذا ما يجعل العدوان على كاراكاس، في نظر الصين طعنة مباشرة لمشروع تعدد الأقطاب، ولروح “بريكس”.

ردّ الفعل الصيني كان بلا عضّ… فالصين تجيد الصبر. الرئيس “شي جين بينغ” استدعى دائرته، جلس معهم، ومن هنا بدأت الضربة: أول ما فعلته بكين أنها مست الهدف الحقيقي للإمبراطورية… لم تقصف الجنود، لكنها طالت النظام الذي يمول الجنود. هكذا يعاقب العاشق الذي قرر أخيرا ألا يُستغل.

الرسالة كانت واضحة أميركا تستطيع الخطف، لكنها لا تستطيع أن تفرض الحب. وتستطيع أن تستعرض قوتها، لكنها عاجزة عن منع الآخرين من الوقوع في غرام بدائل جديدة.

أعلن بنك الشعب الصيني تعليق التعامل بالدولار مع شبكات وشركات صناعات كبرى لها صلة بقطاع الدفاع الأميركي، وفرضت الصين استخدام اليوان النفطي ونظام الدفع الإلكتروني الصيني “CIPS” للالتفاف على هيمنة الدولار الأمريكي في التجارة العالمية. ووسّعت قدرة نظام مدفوعاتها العابرة للحدود، وقدمته كبديل عملي لمن يريد الابتعاد عن “سويفت” الخاضع لهيمنة واشنطن..

العاشق بدأ يتخلص من الصور القديمة، من الأجهزة المشتركة، من كل شيء يربطه بالنرجسي… تحركت الصين باتجاه الكهرباء والتكنولوجيا. مراجعات عقود، تدقيقات تقنية، إعادة تقييم للموردين الأميركيين. إعلان عن بداية فك ارتباط …  ثم جاء النفط. هنا لا إشارة الى اي رومانسية، الصين فجرّت من تحت أقدام المصافي الأميركية عقودا ضخمة، ودفعت الخام إلى أسواق أخرى في الجنوب العالمي.

الضربة التالية جاءت من البحر… شركات الشحن الصينية الكبرى عدلت مساراتها وقلصت استخدام الموانئ الأميركية.

ولأن الصين تعرف أن النرجسي لا يتعلم إلا حين يخسر… انتقلت إلى لعبة أكثر قسوة. تحركت سياسيا واقتصاديا في آن واحد وزير الخارجية “وانغ يي” طرح على عدد من الدول الكبرى في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا شروط تجارية تفضيلية مقابل موقف واضح من الأزمة الفنزويلية.

ورفعت بكين ورقتها الاثقل: المعادن النادرة، شرايين التكنولوجيا الحديثة التي تقوم عليها أشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية.

هكذا يرد العاشق الصيني: لا يطلق رصاصة واحدة… لكنه ينكفئ.

هكذا يتصرّف النرجسي الأميركي: يرى الجمال فيشتهيه ويمتلكه، ثم يدمره لأنه لا يحتمل ما لا يسيطر عليه… أميركا ما زالت نرجسية بما يكفي لتظن أن العالم سيغفر لها كل مرة.

والخلاصة:

في السياسة، كما في الغرام، اللحظة الأخطر لا تكون في العنف ولا في الإساءة ولا في الصراخ…

أخطر لحظة هي حين يصمت الطرف الآخر،

ويبدأ بحب جديد.

Spread the love

adel karroum