ليبيا : تصفية حقبة القذافي ام إعادة رسم الخرائط

ليبيا : تصفية حقبة القذافي ام إعادة رسم الخرائط

مصباح العلي
في ليبيا، لا تموت الشخصيات السياسية بسهولة، حتى حين يُشاع مقتلها.
وحدها الرموز تُغتال مرتين: مرة في الجسد، وأخرى في المعنى.
من هنا، فإن الأنباء المتداولة عن مقتل سيف الإسلام معمر القذافي في ظروف غامضة في الجنوب الليبي – إن صحّت – لا يمكن مقاربتها كخبر أمني عابر، بل كحدث مركزي يعكس تحولات عميقة في الصراع على مستقبل الدولة الليبية.
الجنوب… حيث لا يحدث شيء من دون ثمن
الجنوب الليبي ليس هامشًا جغرافيًا، بل قلبًا رخويًا للدولة، ومختبرًا دائمًا للتوازنات.
من يظن أن شخصية بحجم سيف الإسلام يمكن أن تُصفّى في تلك الرقعة الشاسعة من دون علم، أو قبول، أو تواطؤ محلي، يجهل طبيعة الجنوب ومنظومة حماياته القبلية.
فالمعلومة التي تستوقف هنا ليست “الاغتيال” بحد ذاته، بل مكانه.
مناطق النفوذ القبلي في الجنوب لطالما كانت صمّام أمان لسيف الإسلام، ما يفتح الباب أمام فرضيتين لا ثالث لهما:
إما أنّ شبكة الحماية تفكّكت نتيجة ضغوط سياسية وأمنية غير مسبوقة
أو أنّ القرار بتصفيته فُرض من خارج الجنوب، وتمّ تمريره عبر تسويات صامتة
وفي الحالتين، نحن أمام تبدّل خطير في قواعد اللعبة القبلية، لا يقل أهمية عن الحدث نفسه.
الصحراء تصنع الذهنيات… لا الأساطير
لا يمكن فصل شخصية سيف الإسلام عن الجغرافيا التي احتضنته في سنواته الأخيرة.
فالصحراء الليبية، بمناخها القاسي ونمطها الاجتماعي المغلق، لا تنتج رجال تسويات، بل رجال صبر ومواجهة.
من هنا، تشكّلت صورة سيف الإسلام كشخصية صعبة المراس، عالية الشك، قليلة الثقة، وهو ما جعله غير قابل للاحتواء لا من خصومه ولا من حلفائه المفترضين.
هذا التحوّل النفسي والسياسي جعله عامل قلق دائم، لا سيما في لحظة تبحث فيها القوى الدولية عن “شريك ليبي قابل للإدارة”، لا عن رمز يحمل ذاكرة دولة سابقة ويملك قدرة على إعادة استنهاضها شعبيًا.
القذافي لم يسقط في الوعي
ربما كان الخطأ الاستراتيجي الأكبر بعد 2011 هو الاعتقاد أن سقوط النظام يعني سقوط رمزيته.
فليبيا ما بعد القذافي لم تُنتج دولة بديلة، بل أنتجت فوضى بديلة:
حكومتان، جبهات مسلحة، اقتصاد ريعي مفكك، وسيادة مرتهنة.
في هذا المناخ، بقي اسم القذافي – وسيف الإسلام تحديدًا – حاضرًا في وجدان شريحة واسعة من الليبيين، لا حبًا بالنظام السابق، بل كرهًا بالفراغ الحالي.
وهنا تكمن خطورة سيف الإسلام: لم يكن مشروع حنين، بل مشروع مقارنة… والمقارنة قاتلة.
الجنوب والانقسام العمودي: وصفة للتطرّف
الانقسام الحاد بين طرابلس والشرق حوّل الجنوب إلى مساحة مهملة سياسيًا ومكشوفة أمنيًا.
ومع غياب الدولة، لا يبقى الجنوب محايدًا طويلًا.
فإما أن يتحوّل إلى مخزن تهديد، أو ساحة نفوذ، أو ممر للتنظيمات المتطرفة.
في هذا السياق، فإن أي عملية تصفية سياسية في الجنوب لا تُقرأ بمعزل عن محاولة ضبط هذا الفراغ، ومنع تحوّله إلى ورقة تفاوض خارج السيطرة.
شبكة العلاقات الدولية: أسرار غير مرغوب بها
يمتلك سيف الإسلام ما لا يمتلكه معظم الفاعلين الليبيين اليوم: ذاكرة دولية.
فهو كان جزءًا مباشرًا من ملفات حساسة أعادت ليبيا إلى المسرح الدولي في العقد الأخير من حكم والده، من لوكربي إلى تفكيك الترسانة الكيماوية، مرورًا بقنوات اتصال أمنية مع عواصم أوروبية.
في عالم يعيد ترتيب أوراقه، تصبح الذاكرة عبئًا.
ومن يعرف أكثر مما يجب، غالبًا ما يُنظر إليه كـخطر مؤجّل.
التوقيت… السياسة لا تؤمن بالصدفة
أخطر ما في المشهد ليس الخبر، بل توقيته.
فالتزامن – إن لم يكن مقصودًا – مع تحركات أميركية لافتة باتجاه إعادة هندسة الملف الليبي، يطرح سؤالًا مشروعًا:
هل نحن أمام تصفية فرد، أم إقفال مسار سياسي محتمل قبل ولادته؟
الحديث هنا لا ينفصل عن رؤية أميركية أوسع لإعادة إدماج ليبيا في توازنات حوض شرق المتوسط، من تركيا إلى مضيق جبل طارق، ضمن مقاربة أمنية – اقتصادية تتجاوز الحدود الليبية نفسها.

في ليبيا، لا يُقتل الأشخاص لأنهم ضعفاء، بل لأنهم يمتلكون فائض رمزية أو فائض معرفة.
وسواء ثبت مقتل سيف الإسلام القذافي أو بقي في دائرة الغموض، فإن الرسالة وصلت:
زمن الرموز غير المنضبطة انتهى، ومن لا يدخل في المعادلة الجديدة… يُشطب منها.
هذه ليست نهاية رجل، بل مرحلة كاملة من الصراع على معنى الدولة في ليبيا.

Spread the love

adel karroum