على حدّ السكين: عُمان بين اختبار النيات وحدود الاشتعال

على حدّ السكين: عُمان بين اختبار النيات وحدود الاشتعال

روبا مرعي

يقف العالم اليوم عند حافة دقيقة، حيث تختلط إشارات الردع بلغة الدبلوماسية، وتتقدّم الحسابات الداخلية على إيقاع التوازنات الإقليمية. الحديث عن ضرب إيران أو السعي إلى تغيير سلوكها الاستراتيجي لم يعد مجرّد خطاب انتخابي أو تهديد إعلامي، بل تحوّل إلى عنصر ضغط دائم في معادلة تفاوضية شديدة التعقيد. في المقابل، لا تبدو طهران في موقع المنكفئ، بل في موقع من يسعى إلى إعادة تنظيم ساحة الاشتباك السياسي بما يحفظ له أكبر قدر من الأوراق.
في هذا السياق، تكتسب مسقط أهمية تتجاوز بعدها الجغرافي. فسلطنة عُمان ليست ساحة تفاوض عابرة، بل قناة اختبار نيات بامتياز. نقل المحادثات إليها يمنح الطرفين مساحة من الهدوء ومرونة الحركة، ويخفّف من وطأة الضجيج السياسي الذي يرافق عادةً مثل هذه الملفات. بالنسبة لإيران، يشكّل ذلك مكسبًا أوليًا، إذ يضع التفاوض في إطار أقل استقطابًا وأكثر قابلية للتحكم بالإيقاع. أما بالنسبة لواشنطن، فهو يتيح إدارة المسار بعيدًا عن الأضواء، بما يسمح بتعديل السقوف دون إحراج علني.
تعتقد طهران أنها استطاعت، حتى الآن، تثبيت قواعد لعبة مريحة نسبيًا. فهي نجحت في حصر النقاش ضمن ملفها النووي، رافضةً تمدده إلى ملفات الصواريخ أو النفوذ الإقليمي، الأمر الذي يعكس استراتيجية واضحة تقوم على تجزئة القضايا لتفادي صفقة شاملة قد تكون كلفتها السياسية مرتفعة. كذلك، حافظت على ضيق دائرة الأطراف المعنية بالمفاوضات، مانعةً توسيع الطاولة لتشمل قوى إقليمية قد تدفع نحو شروط أكثر تشددًا. هذه المقاربة لا تعني حسمًا بقدر ما تعني ضبطًا دقيقًا لحدود التفاوض.
في المقلب الآخر، تتحرك الولايات المتحدة بين مسارين متوازيين: إظهار قدراتها العسكرية بما يعزز عنصر الردع، والإبقاء على نافذة دبلوماسية تسمح بتحقيق إنجاز يمكن تسويقه داخليًا. الإدارة الأمريكية تدرك أن أي مواجهة واسعة ستكون مكلفة، لكنها تدرك أيضًا أن التراجع دون مقابل واضح سيُقرأ ضعفًا. لذلك يبدو الهدف أقرب إلى صياغة اتفاق مرحلي يجمّد عناصر الخطر الأكثر إلحاحًا، مقابل تخفيف محدود ومدروس للعقوبات. غير أن هذا المسار لا يخلو من مناورة؛ فاستعراض القوة قد يكون جزءًا من عملية جسّ نبض، أو وسيلة لرفع سقف الشروط قبل الهبوط إلى تسوية محسوبة.
هواجس الحلفاء الإقليميين تضيف طبقة أخرى من التعقيد. فاقتصادات المنطقة، المرتبطة بأسواق الطاقة والممرات البحرية، لا تحتمل صدمة عسكرية واسعة. وأي اشتعال قد يتخذ شكل مواجهة متعددة الجبهات، يصعب احتواؤها بمجرد تفاهم ثنائي. من هنا تتعاظم أهمية القنوات الخلفية، ليس كخيار مثالي، بل كضرورة لتفادي خطأ تقدير قد يشعل سلسلة تفاعلات غير قابلة للضبط.
المشهد، في جوهره، ليس صراعًا بين الحرب والسلام بقدر ما هو اختبار لقدرة كل طرف على إدارة سقف التنازل دون أن يبدو متراجعًا. إيران تسعى إلى تثبيت معادلة “النووي مقابل رفع العقوبات”، فيما تحاول واشنطن توسيع إطار المقايضة ليشمل السلوك الإقليمي ومستقبل التوازنات. وبين هذين الهدفين، تتحرك الوساطة العُمانية كخيط رفيع يمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
حتى الآن، تبدو التسوية المرحلية الاحتمال الأكثر واقعية، لا لأنها تحلّ جذور الخلاف، بل لأنها تمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس. أما سيناريو الانفجار الشامل، فيبقى قائمًا بوصفه أداة ضغط أكثر منه خيارًا أوليًا. وهكذا يستمر العالم في الوقوف على حدّ السكين: توازن هشّ، تحكمه حسابات دقيقة، وتفصل فيه خطوة واحدة بين المناورة والاشتعال.

Spread the love

adel karroum