«ناتو» مكة؟ ثلاث دول تبني مظلة ردع إقليمية جديدة

«ناتو» مكة؟ ثلاث دول تبني مظلة ردع إقليمية جديدة

نعمت كرّوم

في 21 يونيو/حزيران، جمعت القاهرة وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان حول طاولة واحدة لمناقشة أمن المنطقة. الاجتماع الرابع للمجموعة الرباعية انعقد بدعوة مصرية، وتحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الدول الأربع باعتبارها ركائز أساسية للأمن والاستقرار الإقليميين، داعيًا إلى تطوير آلية التشاور بينها إلى إطار مؤسسي قادر على التعامل مع أزمات المنطقة.
بعد 47 يومًا فقط، تغيرت طبيعة العلاقة.
في 7 أغسطس/آب، اجتمع محمد بن سلمان ورجب طيب أردوغان وشهباز شريف في مكة، ووقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية للدفاع المشترك. وتنص الصيغة المعلنة على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره اعتداءً عليها جميعًا، مع تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي، بينما بقيت التفاصيل التشغيلية والالتزامات العسكرية الدقيقة غير معلنة بالكامل. ووصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الاتفاق بأنه، من الناحية التقنية، مماثل للمادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، لناحية مبدأ الدفاع المتبادل.
في القاهرة كانت الصيغة هي التشاور والتنسيق. في مكة أصبحت الصيغة دفاعًا متبادلًا.
هنا انتقلت العلاقة من الحديث عن الأمن إلى تحمل جزء من كلفته.
ثلاث دول تضع قدرات مختلفة داخل إطار دفاعي واحد: السعودية بثقلها الاقتصادي وموقعها المحوري في سوق الطاقة، وتركيا بجيشها وصناعتها الدفاعية وموقعها داخل حلف الناتو، وباكستان بقدرتها العسكرية وترسانتها النووية.
القوة لا تأتي من تشابه الدول، بل من اختلاف عناصر قوتها.
من أرامكو إلى مكة: درس الحصانة
في 14 سبتمبر/أيلول 2019، وصلت الهجمات إلى بقيق وخريص، وضربت منشآت تقع في قلب صناعة الطاقة السعودية، رغم امتلاك المملكة منظومات تسليح متقدمة وشراكة أمنية عميقة مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك وصلت الضربة.
في بقيق وخريص ظهر حد آخر للقوة السعودية: يمكن شراء منظومات دفاع متقدمة، ويمكن بناء شراكة أمنية عميقة مع واشنطن، لكن لا يمكن بناء حصانة مطلقة حول دولة تقع منشآتها الحيوية على خريطة صراع إقليمي.
لم يكن الدرس أن السلاح لا يحمي، بل أن السلاح وحده لا يصنع أمنًا مطلقًا.
المنشأة يمكن حمايتها، لكن حماية الدولة تحتاج إلى شبكة من العلاقات والالتزامات تجعل أي هجوم عليها يحمل كلفة تتجاوز حدودها.
من هنا بدأ السؤال يتغير: ليس فقط ما الذي تستطيع الدولة امتلاكه، بل ما الذي تستطيع أن تجمعه حول قوتها.
السعودية: من شراء السلاح إلى صناعة الردع
لسنوات طويلة، ارتبط الأمن السعودي بشراء أحدث الأسلحة وبالمظلة الأمنية الأميركية. لكن الرياض وسعت خلال السنوات الأخيرة شبكة علاقاتها وشراكاتها، من الصين إلى تركيا وباكستان، بالتوازي مع فتح مسار دبلوماسي مع إيران.
اتفاق مكة يضيف إلى هذا المسار طبقة دفاعية جديدة.
فهو لا يكتفي بإعلان التضامن، بل يضع قاعدة سياسية تقوم على أن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث لن يبقى بالضرورة شأنًا منفردًا.
والردع يبدأ قبل الحرب؛ لأن وظيفة القوة ليست استخدامها فقط، بل جعل استهداف الدولة أكثر كلفة.
الأمن السعودي لم يعد داخل الحدود
السعودية تدخل هذا الترتيب وهي تحمل خريطة أمنية تتجاوز حدودها: جنوبًا اليمن والحوثيون والبحر الأحمر وباب المندب؛ وشمالًا العراق والفصائل المسلحة؛ وشرقًا الخليج ومضيق هرمز والمنشآت التي تقوم عليها عصب الطاقة السعودية.
لم تعد الحدود خطًا مرسومًا على الأرض.
الصاروخ الذي يأتي من خارج الحدود، والمسيّرة التي تعبر مئات الكيلومترات، والهجوم على منشأة نفطية أو ميناء، والسفينة التي تتعرض للخطر في ممر دولي، كلها أصبحت امتدادًا واحدًا للأمن القومي.
وفي العراق، جاء الاختبار قبل توقيع مكة بأيام. ففي 29 يوليو/تموز، أعلنت السعودية أن قواتها، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، نفذت ضربات استهدفت مواقع لجماعات مسلحة مدعومة من إيران داخل العراق، قالت الرياض إنها مرتبطة بهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت الطاقة السعودية. وجاءت الضربات بعد أن أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض عدة مسيّرات أُطلقت من الأراضي العراقية باتجاه منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والرياض.
الضربة جاءت قبل الاتفاق بأيام، لتكشف أن الجبهة العراقية أصبحت جزءًا مباشرًا من حسابات أمن المملكة.
أما الخليج، فقصته أوسع من أي عملية منفردة. تعطيل حركة السفن لا يحتاج إلى احتلال أرض حتى يتحول إلى ضغط اقتصادي وسياسي. وعندما تصبح الطاقة والتجارة أهدافًا، تصبح حماية الممرات جزءًا من الردع نفسه.
تركيا: حين يتحول السلاح إلى صناعة
تدخل تركيا اتفاق مكة بقوة تتجاوز حجم جيشها.
خلال السنوات الماضية تحولت صناعاتها الدفاعية إلى أحد مصادر نفوذ أنقرة، من الطائرات المسيّرة والصواريخ إلى السفن والمدرعات وأنظمة الحرب الإلكترونية والصناعات الجوية.
الطائرات المسيّرة كانت المثال الأكثر وضوحًا؛ فقد أظهرت في ساحات متعددة كيف يمكن لتكنولوجيا عسكرية أقل كلفة أن تغير موازين المعارك عندما تقترن بالإنتاج المحلي والقدرة على التطوير.
لكن قصة تركيا لا تختصر في المسيّرات.
الدولة التي تصنع أدوات قوتها لا تملك السلاح فقط؛ بل تملك هامش القرار الذي يرافقه.
وهذا ما تضيفه أنقرة إلى اتفاق مكة: صناعة دفاعية، وتكنولوجيا، وخبرة عملياتية، وقدرة على تطوير السلاح بدل الاكتفاء بشرائه، إلى جانب موقعها الجغرافي وعضويتها في الناتو. دخول تركيا في ترتيب دفاعي إقليمي جديد يضيف إلى الاتفاق قدرة صناعية وتكنولوجية وعسكرية، لا مجرد زيادة في عدد الجنود.
باكستان: الردع الذي يغيّر الحسابات
هنا يدخل العنصر الأكثر حساسية: باكستان النووية.
وجود قوة نووية داخل اتفاق دفاعي مع السعودية وتركيا يرفع مستوى الحسابات، لكنه لا يعني أن الدول الثلاث أنشأت تحالفًا نوويًا. ولا يتضمن الاتفاق المعلن آلية تجعل الترسانة النووية الباكستانية جزءًا من التزام دفاعي مشترك.
اتفاق مكة ليس «ناتو إسلاميًا»، وليس حلفًا نوويًا.
قوته لا تأتي من تسميته «نوويًا» أو «إسلاميًا»، بل من جمعه قدرات مختلفة داخل إطار دفاعي واحد.
السعودية تضيف الثقل الاقتصادي والطاقة والموقع.
تركيا تضيف الصناعة والتكنولوجيا والقوة العسكرية.
باكستان تضيف القوة العسكرية والردع الاستراتيجي.
المعادلة لا تقوم على امتلاك الدول الثلاث للسلاح نفسه، بل على تكامل ما تملكه كل دولة.
وهنا يبدأ الردع قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى.
إيران: في الحساب… لا في قلب المعادلة
لا يصح اختزال اتفاق مكة في كونه جبهة ضد إيران.
فالرياض فتحت باب الحوار مع طهران واستعادت العلاقات معها بوساطة صينية، وفي الوقت نفسه وسعت خياراتها الأمنية.
وهذا ليس تناقضًا.
الدبلوماسية لا تلغي الردع، والردع لا يلغي الدبلوماسية.
اتفاق مكة لا يعلن حربًا على إيران، والجانب التركي أكد أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها. وفي تطور أكثر دلالة، قال سفير باكستان في موسكو فيصل نياز ترمذي إن إسلام آباد لا تعارض انضمام إيران ومصر إلى اتفاق الدفاع المشترك، ورحّب بانضمام دول إقليمية أخرى تسعى إلى السلام والاستقرار. وهذا يضع الاتفاق في إطار أوسع من مجرد اصطفاف ضد إيران.
لكنه يغير الحسابات التي سترافق أي تهديد مستقبلي للسعودية.
والمفارقة أن الاتفاق حدد شكل الردع ولم يحدد اسم الخصم؛ حدد الالتزام وترك تعريف الخطر مفتوحًا.
عدم تسمية العدو ليست ثغرة في الاتفاق، بل جزء من قوته السياسية. فهي تترك للدول الثلاث حرية تعريف الخطر وفق اللحظة، بدل ربط التزامها الدفاعي باسم خصم محدد مسبقًا.
إذا كانت الرياض وحدها في مواجهة الخطر، فالحساب مختلف.
أما إذا أصبح الاعتداء عليها مرتبطًا بشبكة تضم تركيا وباكستان، فإن كلفة التصعيد تصبح أكثر تعقيدًا.
واشنطن: عندما تتغير وظيفة الحليف
لا يعني اتفاق مكة خروج الولايات المتحدة من المنطقة. القوة الأميركية ما زالت هائلة، وشبكة تحالفاتها العسكرية والأمنية لا يمكن تجاهلها.
لكن وظيفة الحليف تتغير.
السعودية لا تستبدل واشنطن بأنقرة، وتركيا لا تخرج من الناتو، وباكستان لا تدخل محورًا مغلقًا.
ما يحدث هو توسيع لمصادر القوة وإعادة توزيع لمساحات المناورة.
القوى الكبرى لا تختفي، لكنها لم تعد وحدها من يحدد شكل الأمن الإقليمي.
مصر: كانت على الطاولة وبقيت خارج دائرة الدفاع
القاهرة كانت على الطاولة قبل مكة، بل كانت هي التي دعت إلى اجتماع يونيو.
وفي 21 يونيو، اجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في القاهرة، وأكدوا أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع، فيما دعا السيسي إلى تطوير الآلية الاستشارية إلى إطار مؤسسي فعال.
ثم جاء الاتفاق الدفاعي ولم تدخل مصر فيه.
لا توجد وثيقة مصرية تقول إن القاهرة رفضت الانضمام، ولا تصريح سعودي يقول إن الرياض استبعدتها. لكن الوقائع نفسها أكثر إثارة.
مصر شاركت في هندسة التشاور الإقليمي، واستضافت الاجتماع، ثم انتقلت الدول الثلاث إلى اتفاق دفاعي من دونها.
المسألة لا تتعلق بالقوة العسكرية المصرية. فقناة السويس والبحر الأحمر والبحر المتوسط والجيش المصري وحدود مصر مع ليبيا وغزة والسودان تجعل القاهرة عند تقاطع أكثر من مسرح أمني.
لكن هذا بالضبط قد يجعل الالتزام الدفاعي الشامل أكثر تعقيدًا بالنسبة إليها.
هناك فارق بين أن تكون مصر جزءًا من هندسة الأمن الإقليمي، وبين أن تكون طرفًا في التزام دفاعي تلقائي.
فالانضمام إلى ترتيب دفاعي لا تحدده الجغرافيا وحدها، بل درجة شعور الدولة بأنها تواجه الخطر نفسه، وبالدرجة نفسها.
القاهرة، حتى الآن، اختارت الأولى.
مكة: من مظلة الحماية إلى صناعة الردع
بين القاهرة ومكة لم يتغير عدد الدول التي تتحدث عن أمن المنطقة فقط؛ تغير نوع الالتزام.
في القاهرة، كانت أربع دول تبحث التشاور والتنسيق وبناء إطار مؤسسي.
في مكة، انتقلت ثلاث منها إلى دفاع متبادل وتعاون دفاعي.
هذا هو التحول.
الشرق الأوسط لا يخرج من المظلة الأميركية، ولا يستبدل واشنطن بتحالف إقليمي في ليلة واحدة. دول بنت أمنها لعقود على قوة خارجية بدأت تضيف إلى تلك المظلة ترتيبات تستطيع من خلالها توزيع المخاطر وبناء قدرات إقليمية خاصة بها.
قوة اتفاق مكة لن تُقاس بعدد الدول التي وقّعت عليه، ولا بالضجة التي رافقت الإعلان، بل بقدرته على تحويل اختلاف القدرات بين الدول الثلاث إلى كلفة فعلية على أي طرف يفكر في اختبار أمن إحداها.
فالرياض لا تحصل على مظلة أميركية بديلة، وأنقرة لا تتحول إلى حليف خليجي، وإسلام آباد لا تضع ترسانتها النووية تلقائيًا تحت تصرف الاتفاق. ما يتشكل هو شيء أكثر تعقيدًا: شبكة ردع تستفيد من نقاط القوة المختلفة لكل دولة، وتترك في الوقت نفسه تعريف الخطر مفتوحًا.
عندما تأتي أول ضربة تختبر النص الذي وقّعته الدول الثلاث في مكة، سيتحدد ما إذا كانت عبارة «الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع» ستتحول إلى قرار عسكري، أم ستبقى سقفًا سياسيًا للردع.
عندها فقط سيتضح ما إذا كانت مكة قد دشّنت منظومة ردع إقليمية فعلية، أم أنها بقيت اتفاقًا سياسيًا واسع الدلالة، محدود القدرة على الفعل.
فالانتقال من انتظار الحماية إلى صناعة الردع لا يحدث بتوقيع الوثيقة وحده.
يبدأ عندما تتحول القدرات المتفرقة إلى التزام يمكن اختباره تحت النار.

Spread the love

Maysaa Haydar