البحر الأحمر تحت النار: سباق إقليمي لحماية شريان التجارة العالمية

البحر الأحمر تحت النار: سباق إقليمي لحماية شريان التجارة العالمية

نعمت كرّوم

البحر الأحمر تحت النار: من يحمي شريان التجارة العالمية؟

من يدفع كلفة اضطراب الملاحة؟ البحّار الذي يصعد إلى السفينة، ويغادر بيته، ثم يجد نفسه في ممر بحري تحوّل إلى ساحة صراع لا يملك قرارها ولا يملك الخروج منها.
وراء كل سفينة طاقم يعمل بعيدًا عن بيته. شركة الشحن تستطيع تغيير المسار، والسفينة تستطيع الانتظار، لكن البحّار في عرض البحر لا يملك دائمًا أيًا من الخيارين.
البحّار يقف في آخر سلسلة القرار وأول سلسلة الخطر.
ولم يعد الخطر البحري محصورًا في البحر الأحمر. الحرب الروسية-الأوكرانية جعلت البحر الأسود منطقة عالية المخاطر، فيما أعادت التوترات المرتبطة بإيران رسم حسابات السفن والتأمين والمسارات.
لكن باب المندب يقدم الصورة الأكثر وضوحًا لتحول طريق التجارة إلى ساحة صراع.
باب المندب: حين يصبح طريق التجارة طريقًا للموت
في 11 أغسطس/آب، استُهدفت سفينة الشحن «تهامة» في باب المندب. قُتل أربعة من أفراد طاقمها، ثلاثة منهم باكستانيون وإندونيسي، ثم قُتل اثنان من عناصر القوات التي شاركت في عمليات الإنقاذ، وأصيب عشرة آخرون، وفق رويترز. وقال الحوثيون إن السفينة كانت تحمل معدات عسكرية سعودية، لكن هذه الرواية لم يتم التحقق منها.
لم تكن «تهامة» سفينة حربية. كان على متنها طاقم يعمل في طريق تجاري، قبل أن تتحول الرحلة إلى عملية إنقاذ وموت.
وقبل ذلك بأسابيع، أعلن الحوثيون أنهم سيمنعون السفن المرتبطة بالسعودية من المرور في البحر الأحمر، وبدأت الهجمات على سفن مرتبطة بالسعودية.
وبدأت الكلفة تظهر على السفن نفسها.
ناقلات النفط السعودية التي تحمل شحنات من ميناء ينبع باتت في بعض الحالات تطفئ إشارات التتبع لتقليل احتمال رصدها، فيما أعادت شركات شحن توجيه سفنها بعيدًا عن باب المندب. وانخفض متوسط عدد السفن التي تعبر المضيق إلى نحو 32 سفينة يوميًا، مقابل نحو 50 سفينة قبل إعلان الحوثيين منع السفن المرتبطة بالسعودية من المرور، بحسب بيانات نقلتها رويترز. كما ارتفعت كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب.
هنا لا يعود الخطر رقمًا في نشرات الملاحة. يصبح سفينة وطاقمًا وقرارًا بتغيير الطريق.
من باب المندب إلى قناة السويس
باب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وأي اضطراب فيه يدفع السفن إلى البحث عن طرق بديلة.
الدوران حول رأس الرجاء الصالح يعني وقتًا أطول في البحر، ووقودًا وتأمينًا أعلى، وتأخيرًا في وصول الشحنات. ومع استمرار الخطر، تتحول الطريق البديلة من إجراء مؤقت إلى كلفة ثابتة على التجارة.
والأثر يصل إلى قناة السويس في الطرف الآخر. ما يتراجع جنوب البحر الأحمر ينعكس على حركة الملاحة في القناة، فيما تتحمل مصر وشركات النقل جزءًا من كلفة الاضطراب.
ما يحدث في باب المندب لا يبقى في باب المندب.
السعودية تضع أمن البحر على الطاولة
في 30 يوليو/تموز، أعلنت السعودية خططًا لإنشاء تحالف دفاعي بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة الدولية وخطوط إمداد الطاقة في البحر الأحمر. حضر ممثلو 43 دولة والاتحاد الأوروبي اجتماعًا بحث المشروع، الذي تريد الرياض أن تقوده وأن تستضيف مقره.


وأعلنت 14 دولة، بينها مصر وتركيا وباكستان والسودان وجيبوتي، دعمها للمشروع. ولم تكن الإمارات وعُمان ضمن الدول التي أعلنت دعمها.
الأرقام تكشف حجم الفكرة: مصر عند قناة السويس، جيبوتي عند باب المندب، والسودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر.
أما تركيا وباكستان فتضيفان قوتين عسكريتين خارج الحوض نفسه.
لم يعد أمن الممر شأن دولة واحدة.
الاختبار ليس في عدد الدول
43 دولة تستطيع أن تجتمع حول طاولة. لكن حماية سفينة تحتاج إلى منظومة تعمل في البحر: مراقبة، معلومات، مرافقة، إنقاذ، وقدرة على التعامل مع الصواريخ والمسيّرات قبل وصولها إلى الهدف.
وجود القوات في البحر لا يعني أن السفينة أصبحت آمنة.
السعودية تملك الموقع والموارد والقدرة على قيادة مشروع واسع، بينما تضيف مصر موقع قناة السويس وقدراتها البحرية، وتركيا صناعتها الدفاعية وقدراتها البحرية، وباكستان خبرتها البحرية في المحيط الهندي.
لكن قيمة هذه القدرات لا تظهر في البيانات.
تظهر عندما تتعرض سفينة للهجوم.
البحر مزدحم بالقوات ولا يزال خطرًا
المبادرة السعودية لا تأتي إلى بحر خالٍ من القوات. الاتحاد الأوروبي لديه منذ 2024 عملية «أسبيدس» لحماية حرية الملاحة والسفن التجارية، وقد مدد الاتحاد الأوروبي مهمتها حتى 28 فبراير/شباط 2027. وتشمل مهمتها حماية السفن ودعم حرية الملاحة في البحر الأحمر والمياه المحيطة به، ضمن تفويض دفاعي.
لكن وجود «أسبيدس» لم ينهِ الخطر. والهجمات الأخيرة تظهر أن وجود قوة بحرية دولية لا يكفي وحده لمنع السفن من التعرض للاستهداف أو دفعها إلى تغيير مساراتها.
وهنا تصبح الإضافة السعودية مختلفة: قوة تقودها دولة إقليمية وتضم دولًا لها مصالح مباشرة في الممر.
نجاحها لن يقاس بعدد السفن التي تنضم إلى القوة، بل بما إذا كانت السفينة ستستطيع عبور باب المندب من دون أن تضطر إلى إطفاء إشاراتها أو تغيير طريقها خوفًا من الاستهداف.
الطريق الأطول ليس حلًا دائمًا
تغيير المسار يحمي السفينة، لكنه لا يحل أزمة الملاحة.
السفينة التي تدور حول أفريقيا تحتاج وقتًا ووقودًا وتأمينًا أكثر. وإذا استمر الخطر، تتحول هذه الكلفة إلى جزء من حساب التجارة العالمية.
وهذا ما يجعل الأمن البحري مسألة اقتصادية بقدر ما هو مسألة عسكرية.
فالسفينة التي لا تستطيع الإبحار بأمان لا تحمل بضائعها فقط؛ تحمل معها كلفة الطريق البديل إلى كل سوق تصل إليه.
البحر هو الاختبار
تبقى السفينة هي المكان الذي يظهر فيه نجاح السياسة أو فشلها.
خلف كل سفينة طاقم ينتظر العودة إلى بيته. وخلف كل رحلة أسرة تعتمد على أن يعود البحّار كما غادر.
لا يكون البحّار من صنع الحرب، لكنه قد يكون أول من يدفع ثمنها.
المشروع السعودي سيُقاس بما يغيّره على الماء.
إذا استطاع أن يجعل السفينة التجارية تعبر باب المندب من دون أن يتحول طاقمها إلى طرف في حرب لا علاقة له بها، فقد بدأ يؤدي وظيفته.
أما إذا بقيت السفن تغيّر مساراتها، والناقلات تخفي إشاراتها، والبحارة يدفعون الثمن، فستظل البيانات أقل من الخطر الذي يفترض أن تواجهه.
البحر لا يحتاج إلى مزيد من البيانات. يحتاج إلى أمن يمكن أن يراه البحّار من على سطح السفينة.

Spread the love

Maysaa Haydar