ليبيا بين شرعية الصندوق ومأزق الدولة

ليبيا بين شرعية الصندوق ومأزق الدولة

روبا مرعي

لا تبدو الأزمة الليبية اليوم أزمة تأجيل انتخابات بقدر ما هي أزمة دولة لم يُحسم شكلها بعد. فمنذ 2011، تتعثر مسارات الانتقال السياسي بسبب الانقسام المؤسسي، وغياب دستور دائم، وتنازع الشرعيات، ما حوّل الانتخابات من أداة للحل إلى عامل إضافي في إدامة الأزمة.

في هذا السياق، أعاد إصدار مجلس النواب الليبي للقانونين (27) و(28) لسنة 2023 الجدل حول المسار الانتخابي بوصفه مدخلًا لإنهاء المرحلة الانتقالية. غير أن هذا المسار، رغم غطائه التشريعي، يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى ملاءمته لواقع سياسي منقسم ومؤسسات غير مكتملة.

تكمن الإشكالية المركزية في الرهان على انتخاب رئيس دولة بصلاحيات واسعة في ظل غياب إطار دستوري ينظم العلاقة بين السلطات. فليبيا لا تمتلك دستورًا دائمًا يحدد صلاحيات الرئيس وآليات مساءلته، كما تعاني من انقسام القضاء وعدم توحيد المؤسسات الأمنية. وفي مثل هذا السياق، فإن انتخاب رئيس قوي قد يؤدي إلى تركيز مفرط للسلطة التنفيذية، ويعيد إنتاج أنماط حكم فردية، بدل أن يؤسس لاستقرار مستدام.

وتُظهر تجارب دول منقسمة أن الانتخابات الرئاسية المباشرة في مراحل انتقالية هشة غالبًا ما تتحول إلى صراع صفري حول الأشخاص، لا إلى تنافس ديمقراطي حول البرامج. وفي الحالة الليبية، حيث لا تزال الاعتبارات الجهوية والمناطقية فاعلة، تزداد مخاطر رفض النتائج أو الطعن في شرعيتها، بما يهدد بإعادة إنتاج سيناريوهات الفشل السابقة.

في جوهره، لا يدور الصراع السياسي الليبي حول القوانين الانتخابية أو توقيتها فحسب، بل حول طبيعة النظام السياسي ذاته، وتوزيع السلطة، ومفهوم الشرعية. فغياب التوافق على شكل الدولة جعل من كل استحقاق انتخابي ساحة مواجهة مفتوحة، بدل أن يكون أداة لتنظيم الخلاف السياسي.

من هذا المنطلق، تبدو المقاربات التي تركز على انتخاب فرد واحد لرئاسة الدولة غير منسجمة مع متطلبات المرحلة الانتقالية، التي تحتاج إلى إدارة الانقسام لا حسمه بالقوة العددية. وفي هذا الإطار، يبرز مقترح النظام الانتخابي الشامل، الذي قدّمه الدكتور عبدالقادر عمر حويلي، بوصفه مقاربة بديلة تسعى لمعالجة جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.

ينطلق هذا المقترح من فرضية مفادها أن المشكلة الليبية ليست في غياب الانتخابات، بل في غياب القواعد الحاكمة للسلطة. وعليه، يقترح مسارًا تدرجيًا يقوم على تقليص مركزية المناصب الفردية خلال المرحلة الانتقالية، وتعزيز صيغ القيادة التنفيذية الجماعية أو المجالس الرئاسية التي تراعي التوازن بين الأقاليم التاريخية، بما يقلل من منطق الغالب والمغلوب.

ورغم أن هذا المسار أكثر تعقيدًا من الناحية التقنية والزمنية، إلا أنه يحمل فرصًا أعلى للاستدامة السياسية، ويخفض احتمالات الاستقطاب والصدام. فهو يركز على معالجة إشكاليات الشرعية والتوازن والإقصاء، بدل الاكتفاء بإنتاج شرعية انتخابية سريعة وقابلة للطعن.

تكشف المقارنة بين المسارين أن القوانين (27) و(28) تركز على آلية الانتخابات دون معالجة الاختلالات البنيوية المرتبطة بغياب الدستور وضعف التوازن بين السلطات. في المقابل، يتعامل النظام الانتخابي الشامل مع الانتخابات كجزء من مسار أوسع لإعادة بناء الدولة، لا كغاية بحد ذاتها.

وفي ظل الواقع الليبي الراهن، تبدو صيغ القيادة الجماعية أكثر ملاءمة من الرهان على انتخاب رئيس دولة بصلاحيات واسعة في فراغ دستوري. فالحسّ الانتقالي المطلوب اليوم لا يقوم على الحسم السريع، بل على التدرج والتوازن وبناء الثقة، في مرحلة لا تحتمل مغامرات سياسية جديدة.

Spread the love

adel karroum