بين الغموض والمباغتة: كيف تدير واشنطن صراعها مع إيران؟
روبا مرعي
تتعمّد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإبقاء على سياستها تجاه إيران في منطقة رمادية يصعب فك شيفرتها. فمن جهة، لا تتوقف لغة التهديد والتلويح بالخيار العسكري، ومن جهة أخرى لا يُغلق باب التفاوض، بل يُستخدم كأداة ضغط موازية للحشد العسكري. هذا التناقض الظاهري لا يعكس ارتباكاً بقدر ما يندرج ضمن سياسة الغموض الاستراتيجي التي لطالما اعتمدتها واشنطن في لحظات الصدام الكبرى.
ترامب يدرك أن أي ضربة عسكرية لإيران لن تكون نزهة قصيرة، وأن كلفتها السياسية والعسكرية قد تتجاوز العائد المتوقع، خصوصاً في توقيت داخلي حساس يسبق الاستحقاقات الانتخابية. وفي المقابل، فإن التراجع أو الاكتفاء بالضغط دون فعل عسكري يمنح طهران نقطة معنوية ثمينة في مسار الصراع، ويضعف هيبة الردع الأميركي بعد كل هذا الزخم العسكري الذي كلف الخزينة مليارات الدولارات.
من هنا، يتقدّم الغموض كخيار ثالث:
إبقاء الخصم في حالة ترقّب دائم.
ترك جميع السيناريوهات مفتوحة، من الضربة المحدودة، إلى المفاوضات المشروطة، وصولاً إلى استكمال الحشد وانتظار اللحظة المناسبة للمباغتة.
خريطة التحالفات: إيران ليست وحدها
في الحسابات الأميركية، لم تعد إيران دولة معزولة يمكن تطويقها بسهولة. فطهران باتت تشكّل حلقة متقدمة في شبكة تحالفات دولية أوسع تضم روسيا والصين، لكل منهما مصلحة استراتيجية مباشرة في منع انهيار النظام الإيراني.
بالنسبة لموسكو، تمثّل إيران خط الدفاع الجنوبي غير المباشر، وسقوطها يعني تمدد النفوذ الأميركي إلى تخوم المجال الحيوي الروسي. أما بكين، فتنظر إلى إيران بوصفها عقدة أساسية في أمن الطاقة وخطوط الملاحة، وأي اختراق أميركي كامل لها سيُترجم ضغطاً مباشراً على الطموحات الصينية في المحيط الهندي وما بعده.
هذا لا يعني أن روسيا والصين مستعدتان لخوض حرب مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعاً عن إيران، لكنه يعني بوضوح أنهما لن تسمحا بسقوطها السريع أو المجاني.
مناورات «درع القوى العظمى»: الرسالة قبل السلاح
في هذا السياق، جاءت مناورات «درع القوى العظمى» التي جمعت القوات البحرية الإيرانية والروسية والصينية في المحيط الهندي وبحر عُمان. الإعلان المفاجئ عن هذه المناورات، وتوقيتها المتزامن مع الحشد الأميركي، يشي بأن الهدف يتجاوز التدريب العسكري التقليدي.
هذه المناورات تحمل عدة أبعاد متداخلة:
بعد ردعي سياسي: رسالة مباشرة لواشنطن بأن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة بها وحدها.
بعد لوجستي غير معلن: احتمال استخدام المناورات كغطاء لنقل تجهيزات أو اختبار قنوات دعم.
بعد تقني–عملياتي: اختبار القدرات البحرية الإيرانية بإشراف روسي–صيني، ورفع مستوى التنسيق في بيئة بحرية حساسة.
الأهم أن هذه المناورات لا تهدف إلى إعلان تحالف عسكري صريح، بل إلى رفع كلفة القرار الأميركي وإدخال عنصر الشك في حسابات البنتاغون.
هل يستطيع هذا التحالف مجابهة القوة الأميركية؟
واقعياً، لا تستطيع إيران، حتى بدعم روسي وصيني غير مباشر، مجابهة القوة العسكرية الأميركية في حرب تقليدية مفتوحة. لكن الصراع لا يُقاس فقط بمنطق الانتصار والهزيمة، بل بحجم الخسائر وكلفة الاشتباك.
إيران تملك:
منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات.
قدرات بحرية غير متكافئة (زوارق سريعة، ألغام، طائرات مسيّرة).
قدرة على استنزاف الخصم في مساحات بحرية معقدة.
والولايات المتحدة، رغم تفوقها الساحق، تدرك أن:
أي خسائر في السفن أو الطائرات ستُحدث صدمة سياسية وإعلامية.
الحرب قد تتوسع أفقياً وإقليمياً بشكل يصعب ضبطه.
الانخراط في صراع طويل سيستنزف الحضور الأميركي عالمياً في لحظة تنافس دولي محتدم.
خلاصة المشهد
مناورات «درع القوى العظمى» ليست إعلان حرب، لكنها أيضاً ليست مجرد تدريب. إنها أداة ضمن معركة إدارة الصراع، تهدف إلى كسب الوقت، وخلط الأوراق، ومنع واشنطن من فرض معادلة الأمر الواقع بالقوة.
أما سياسة الغموض التي ينتهجها ترامب، فتبقى معلّقة بين ثلاث احتمالات:
ضربة مباغتة محسوبة.
تسوية تفاوضية بشروط أميركية قاسية.
أو استمرار الاستنزاف المتبادل دون انفجار شامل.
وفي كل الحالات، فإن ما تشهده المنطقة اليوم ليس اقتراباً من الحسم، بل تعقيداً متزايداً لمشهد باتت فيه أي شرارة غير محسوبة قادرة على تغيير قواعد اللعبة بالكامل.
