السنيورة: الحكومة تعمل جاهدة لتمكين لبنان من تخطي الازمات الخطيرة والتأكيد أن قرار من يفاوض حصرا بيد الدولة وسلطاتها الدستورية
لفت الرئيس فؤاد السنيورة في حوار مع القناة العراقية الإخبارية، الى ان “لبنان يمر الآن بفترة من أصعب الفترات التي مر بها خلال العقود الماضية. حيث يتعرض إلى عملية اجتياح إسرائيلية جديدة هي السابعة في تاريخه منذ العام 1969، والتي تشمل عمليات قتل وتدمير غير مسبوقة، وأيضا التسبب بنزوح قسري لما يتعدى ربع سكان لبنان أصبحوا مهجرين في بلدهم. إضافة إلى هذا العدد الكبير من الضحايا والشهداء والجرحى. فضلا عن التدمير والتجريف الذي يجري في جنوب لبنان للعديد من البلدات والقرى لتكوين ما تدعيه إسرائيل بالمنطقة العازلة، وذلك من ضمن مخططاتها لاحتلال قسم من لبنان”.
وقال: “في هذا السبيل، لا شك أن الحكومة اللبنانية تعمل جاهدة من أجل أن يصار إلى تمكين لبنان من تخطي هذه الازمات الخطيرة واستعادة سلطة الدولة اللبنانية على قرار الحرب والسلم، وأيضا على تطبيق حصرية السلاح بيد المؤسسات المعنية في لبنان، وكذلك التأكيد بأن القرار في من يفاوض عن لبنان، هو حصرا بيد الدولة اللبنانية وسلطاتها الدستورية. تعلم أنه كانت هناك محاولات حثيثة كانت ولا تزال تبذل خلال الفترات الماضية لربط لبنان بالمسار الإيراني، وبما يؤدي إلى التسلط على القرار اللبناني وجعله بيد السلطات والأجهزة الإيرانية، وذلك في مخالفة صريحة وفاقعة للدستور اللبناني. فلبنان بلد سيد وحر ومستقل، وبالتالي هو صاحب الصلاحية الحصرية في أن يفاوض عن نفسه، ولا أحد غيره يفاوض عنه أو عليه. أما بشأن القرارات السيادية الأساسية التي اتخذتها الحكومة، والتي هي في غاية الأهمية، فلربما جعلت حزب الله من جهة، وأيضا إيران من جهة ثانيه يستشيطان غيظا. ولذلك، هما باتا يلجآن لكل الوسائل وتوجيه الاتهامات والتخوين لثني رئيسي الجمهورية والحكومة، ودفعهما للتراجع عن هذه القرارات السيادية. ولذلك، فإن هذا الموقف الذي يتخذه لبنان الان من خلال حكومته ومن خلال الموقف الذي اتخذه كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وأيضا بالتنسيق مع رئيس المجلس النيابي السيد نبيه بري من اجل تمكين لبنان من ان يخوض غمار هذه المعمعة الكبرى، وأن يخرج منها بسلام. لذلك، فإني اعتقد ان لبنان يمر الآن بهذه المرحلة الصعبة، ونأمل إن شاء الله، أن يكون بإمكان لبنان أن يتخطاها، هذا بالرغم من عظم كل هذه المشكلات التي تعم المنطقة العربية ومنها لبنان. وها أنت ترى، أن مناطق واسعة من لبنان تتعرض للقصف الإسرائيلي، بينما وفي مفارقة مستهجنة وليس فقط إسرائيل، بل تستهدف منطقة الخليج العربي بقرابة 85 في المئة من الصواريخ والمسيرات التي تطلقها إيران”.
اضاف: “المؤسف والمستهجن في آن معا، أنه وبدلا من ان تحاول إيران كسب ود جيرانها من الدول العربية، فإنها ونتيجة للتصرف غير الحكيم الذي اعتمدته السلطات الإيرانية، فإنها تقوم بتركيز تدميرها وقصفها لدول الخليج العربي. وبذلك، تعمد إيران إلى تهديم ذلك الجدار من العلاقات الطيبة التي سعت دول الخليج إلى بنائه معها. وهي الدول ذاتها التي سعت بكل جهدها من أجل الحؤول دون أن تقوم الولايات المتحدة بشن هذه الحرب على إيران. على أي حال، نحن الان نمر بهذه الفترة الصعبة التي يعاني منها لبنان كما تعاني منها ايضا الدول العربية الشقيقة. ونأمل أن يخرج منها لبنان والدول العربية بأسرع وقت ممكن وبأقل الأضرار”.
وعن اللقاء الثلاثي في واشنطن، لفت السنيورة الى أنه “لقاء أولي وإعدادي، وسيكون على مستوى سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن. ولكن اعتقد، انه بعد ذلك، سيكون هناك من سيتولى المفاوضة باسم لبنان. وعلى الأرجح، هم اشخاص سيعينون من قبل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وحسب ما يقال ان من سيتولى هذا الامر هو السيد سيمون كرم، والذي كان سفيرا للبنان في وقت مضى في مطلع التسعينات من القرن الماضي في واشنطن، وهو شخص رصين يتمتع بالخبرة وايضا بالحكمة التي ينبغي أن تتوفر بمن يمكن أن يتولوا هذه المهمة الدقيقة، ولاسيما في خضم هذه الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان”.
واوضح ان “الحكومة اللبنانية سوف تسير في هذا المسار في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية الأمم المتحدة، ولا سيما بعد أن جرى الزج بلبنان في خضم هذا الأتون الصعب في هذه الحرب المدمرة. وسيكون من أولويات الوفد اللبناني العمل من أجل وبداية إلى وقف الأعمال العسكرية العدائية التي تقوم بها اسرائيل ضد لبنان. وأيضا من أجل التمهيد للوصول الى حالة مشابهة لاتفاق التفاهمات الجديدة الذي عقد بين لبنان وإسرائيل في السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024 لتطبيق القرار 1701 أو لاتفاق الهدنة الذي جرى بين لبنان واسرائيل في العام 1948، وعندما جرى وضع قواعد الهدنة بين لبنان واسرائيل آنذاك”.
وعما اذا خرج ملف سلاح حزب من الداخل اللبناني واصبح قضية دولية او إقليمية، قال: “قد يكون من المفيد لتوضيح الأمور، بالنسبة لسؤالك بشأن موضوع سلاح حزب الله، شرح بعض الأمور لفهم تاريخ وتطور وجود حزب الله ودوره. إنه، ومن دون أدنى شك، ان هذا السلاح تطور خلال الفترة الماضية، وهو الحزب الذي تكون مع تأسيسه في العام 1982 عندما كان لبنان ما يزال محتلا من قبل إسرائيل، وذلك بعد الاجتياحين اللذين قامت بهما إسرائيل للبنان خلال العامين 1978 و1982. في تلك المرحلة، عمد هذا الحزب إلى أداء دور وطني كبير الأهمية، حيث أنه أسهم اسهاما اساسيا في انسحاب إسرائيل من لبنان في العام 2000، وذلك أيضا بعد الاجتياحين الآخرين اللذين قامت بهما إسرائيل للبنان في العامين 1993 و1996. وتعلم ان لبنان كان قد توصل الى إقرار اتفاق الطائف في العام 1989، والذي أنهى الحرب الداخلية في لبنان، والتي استمرت من العام 1975 وحتى العام 1989. هذا الاتفاق الوطني للبناني قام على أساس تخلي جميع المنظمات العسكرية المسلحة في لبنان عن سلاحها. ولقد حصل ذلك باستثناء حزب الله وعلى اساس ان حزب الله كان يقوم بعمل وطني كبير من اجل اخراج إسرائيل من لبنان، وبالتالي إلى إيقاف تمدد الاحتلال الإسرائيلي. ولكن المشكلة نشأت عندما انسحبت إسرائيل من العام 2000، وأصر حزب الله وبالتعاون مع النظام السوري التي كان مسيطرا في لبنان على إبقاء الحزب بدوره العسكري وسلاحه بذريعة استمرار مشكلة منطقة مزارع شبعا وكفرشوبا التي بقيت تحت نير الاحتلال الإسرائيلي. هذا علما أن مسألة السيادة بشأنه هذه المنطقة غير مبتوتة، أهي لسوريا أم للبنان. ولقد أصر حزب الله حينذاك على الاستمرار في حمل السلاح، متذرعا بقضية مزارع شبعا والتي هي من المعروف انها قضية لاتزال عالقة ما بين لبنان وسوريا، وسوريا لا تزال تصر على عدم التوافق مع لبنان على تحديد الحدود فيما بين البلدين الشقيقين. وبالتالي، فإن هذه المسألة لاتزال معلقة بكونها أرض محتلة بسبب أن أمر السيادة عليها غير محسوم بين لبنان وسوريا”.
اضاف: “بعد ذلك، حصلت متغيرات أساسية في لبنان والمنطقة والتي منها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. عقب ذلك، حصلت أمور خطيرة، لا سيما حين قام مسلحو حزب الله، وخلافا لكل التأكيدات والتطمينات التي أطلقها السيد حسن نصر الله في العام 2006، وأكد عليها بانه لن يصار إلى القيام بأي عمل عسكري ضد إسرائيل من قبل الحزب. المصيبة أن الحزب عمد إلى القيام بعملية عسكرية جرت عبر الخط الازرق في لبنان. الامر الذي ادى الى قيام إسرائيل بشن حرب شعواء على لبنان في 12 تموز/ يوليو من العام 2006، والتي انتهت بأننا استطعنا أن نتوصل إلى القرار 1701 الذي أقر بإجماع أعضاء مجلس الأمن الأربعة عشر. أنا أروي هذه الاحداث للقول بانه كان من المفترض من حزب الله ان يتوقف عن القيام بأي من الأعمال العسكرية، ويتوقف حمل السلاح لدى جميع المنظمات العسكرية المسلحة في لبنان من خارج إطار الدولة اللبنانية، وبالتالي أن تعود حصرية السلاح في لبنان إلى الدولة اللبنانية في العام 2000 وهو ما لم يحصل. على أي حال، لقد صدر القرار 1701، والذي كان من المفترض من حزب الله ان يحترم هذا القرار لان هذا القرار جاء بالفعل لمصلحة لبنان. وهذا الامر كان يفترض بالجميع في لبنان التعاون سوية من أجل تسليم الأمور والسلطة الى الدولة اللبنانية، وان يعود الجميع الى كنف الدولة اللبنانية وبشروط الدولة اللبنانية، وبأن تكون الدولة اللبنانية بالتالي هي صاحبة القرار في الحرب والسلم، وصاحبة القرار أيضا في حصرية السلاح في لبنان”.
واعتبر ان “القرار الدولي 1701 لم يحترمه حزب الله، كما لم تحترمه إسرائيل أيضا، بمعنى آخر أن الحزب وفر لإسرائيل الذرائع التي كانت تبحث عنها. كما ذكرت، لقد كان من المفترض من حزب الله، وبموجب القرار 1701، أن يقوم بتسليم سلاحه آنذاك في العام 2006 إلى الدولة اللبنانية، وتحديدا في منطقة جنوب الليطاني حسب ما ينص عليه القرار 1701. وهذا الامر كما ذكرت لم يحترم.
وبالتالي، وللأسف، فإن ما كان ممكنا ان نحصل عليه في العام 2006 من تثبيت للسلم الأهلي، ولتدعيم حصرية سلطة الدولة اللبنانية، فقد اضطررنا بعد ذلك في العام 2024 الى توقيع اتفاق التفاهمات الجديدة بشأن تطبيق هذا القرار الدولي ما بين لبنان وإسرائيل، تم برعاية الولايات المتحدة وفرنسا، وبرعاية الامم المتحدة، وعلى اساس ان يلتزم الجميع باحترام القرار 1701. لكن المشكلة في ذلك ان هذا الاتفاق الجديد الذي هو ما أطلق عليه اتفاق التفاهمات الجديدة جرى بطريقة اعطت الصلاحية لإسرائيل، وذلك بالتفاهم الضمني ما بين إسرائيل والولايات المتحدة بأن تقوم إسرائيل بما تراه مناسبا من اجل حماية امنها اي بعبارة اخرى ما كان متوافرا من ضمانات للبنان في العام 2006 من خلال 1701 لم يعد متوافرا للبنان في العام 2024. على أي حال، وكأن الحزب لم يتعلم من تجربة العام 2006، فقد بادر الحزب في العام 2023 بعد ذلك، ومن دون علم الدولة اللبنانية، وتحت ذريعة ما أطلق عليه حرب الإشغال والمساندة، وتحديدا في يوم الثامن من اكتوبر 2023، وبعد عملية طوفان الأقصى، أن جرى إقحام لبنان، والزج به في حرب ليست حربه وليست من صالحه ان يقوم بها. وهذا الأمر، وللأسف، تكرر من جديد لمرة ثالثة في الخطأ الكبير الذي ارتكبه الحزب أيضا في العام 2026، عندما قام بعملية إطلاق الصواريخ على إسرائيل، انتقاما لمقتل السيد علي خامنئي معطيا إسرائيل الذريعة الجديدة لشن هذه الحرب المدمرة التي تشنها إسرائيل على لبنان”.
وتابع: “كلنا نعلم ان اسرائيل لا تضمر الخير للبنان ولديها هذه النظرة العدوانية للبنان. السؤال الذي يجب أن يطرح ونقدم الإجابة الصريحة والواضحة عليه، اذا كنا نعلم ذلك، ونحن نعلم جيدا أيضا، أن ليس لنا القدرة على ان نجابه إسرائيل عسكريا، وذلك بسبب ما لديها من قوى عسكرية وقوى نارية وقوى تكنولوجية وايضا قوى استخباراتية استطاعت ان تبنيها على مدى هذه السنوات فلماذا الزج بلبنان في أتون مثل هذه الحرب التي ليس لنا القدرة على القيام بها. أنظر ماذا حصل حتى الآن في لبنان منذ الثاني من شهر اذار 2026. أنظر إلى حجم المآسي الكبيرة والتدمير الهائل والتجريف والتدمير للقرى والبلدات، وهذا النزوح الخطير الذي يعاني منه اللبنانيون الآن، حيث أن ما يقارب من ربع سكان لبنان أصبحوا مهجرين في بلدهم. هذه هي المشكلة التي يعاني منها لبنان واللبنانيون مع حزب الله. فحزب الله، وبدل من أن يأخذ مصلحة لبنان بالحسبان، ويحرص على تجنيب لبنان هذه الويلات، نراه في هذا الامر انما هو ينصاع الى ما تراه إيران من مصلحة لها في أن تستخدم لبنان كساحه وكصندوق بريد لإرسال الرسائل الى الولايات المتحدة من اجل تحسين شروط التفاهمات بينها وبين الولايات المتحدة”.
وردا على سؤال عما اذا يعتقد أنه لو كان حزب الله قد التزم بالقرار 1701 لما كان لاسرائيل ذرائع او اسباب اخرى للقيام بما قامت به في لبنان؟ اجاب السنيورة: أنا لا أريد أن أدخل بعقل إسرائيل وكيف تفكر، ولكن علينا ان نفترض الأسوأ، ولذلك، اعتقد ان الحكمة والتبصر، وأيضا من شروط التصرف السليم، هو ان لا نعطي اسرائيل الذرائع، وان نعمل على حماية بلدنا ونقيه من شرور إسرائيل. ونحن نعلم وأنت تعلم هذه الحكمة التاريخية التي أطلقها سقراط، وهو الذي يقول: “اعرف نفسك”، فردا كان أم دولة. أنا أعتقد أن علينا في لبنان أن نجنب أنفسنا وبلدنا من التورط في خضم معارك وأمور ليس لنا قبل بها وليس لنا قدرة على ان نقوم بذلك. لماذا نعطي اسرائيل هذه الذرائع. المؤسف، أننا الآن نحن نحصد نتائج هذا التصرف غير الحكيم الذي قام به حزب الله. وحيث يتعرض لبنان واللبنانيون لهذه العمليات العسكرية، ويسقط هذا العدد الكبير من الضحايا الشهداء، الذين كان بإمكانهم ان لا يكونوا ضحايا اليوم، وأن لا يحتل لبنان من جديد من قبل إسرائيل. هذا بالإضافة إلى كل هذه المآسي والمعاناة الشديدة التي يعاني منها اللبنانيون والمهجرون وتعاني ويعاني منها اهالي الضحايا والشهداء. ها هي إسرائيل قد باتت تحتل جزءا مهما من لبنان، أما كان الأحرى بنا ان نتجنب هذه المآسي وهذه المشكلات التي نحن الان في خضمها وأتونها. وها هو لبنان قد أدخل نفسه بسبب تصرف غير متبصر من حزب الله بأن وضع نفسه في ممر الأفيال الإقليمية والدولية، وهو ليس لديه القدرة على مواجهة مآسي أن يصبح البلد في وسط ممرات الفيلة الهائجة”.
وعما اذا كان يعتقد أن مسألة نشر الجيش من جديد في الجنوب اللبناني وتعزيز قدرات اليونيفيل بادخال قوى اقليمية او دولية بما في ذلك الولايات المتحدة كأطراف ضامنة للسلام على الشريط الحدودي، قال: “على الانسان أن يحاول عندما يتوجب عليه أن يأخذ قرارات معينة أن يتبصر كثيرا، ويحاول أن يبقي لنفسه فسحة من الخيارات الممكنة، ولا أن يضع نفسه في مكان لا يكون له فيه إمكانية الاختيار. تعلم الآن انه بعد هذا الزج وهذا الاقحام للبنان في خضم هذه المعارك الدائرة في لبنان. فإنه، وبالفعل لم يعد لدى لبنان الكثير من الخيارات. لقد كانت لدينا خيارات وفرص كثيره كانت متاحة لنا في الماضي. وبالتالي، وللأسف، أضعناها وأضعنا تلك الفرص التي كانت متاحة لنا. الآن بات لبنان مضطرا لأن يدخل في خضم المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. تصور كيف كان حالنا في لبنان لو لم يورطنا حزب الله في هذه المأساة الكبرى. للأسف، الآن هذه هي الطريقة الأمثل بكونها الوحيدة المتاحة لنا في الدخول في خضم المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وبرعاية الولايات المتحدة من أجل إخراج لبنان من هذا الأتون الخطير الذي اصبحنا فيه، ولاسيما حيث باتت إسرائيل تحتل جزءا من لبنان. بالمناسبة، فإني أجزم أننا لو لم نكن قد تعرضنا في لبنان إلى هذه المحنة التي جرى الزج بلبنان بها في الثاني من آذار الماضي 2026، لكنا اليوم بوضع أفضل بكثير، ولما كان مضطرين إلى خوض هذه المفاوضات المباشرة الآن. على أي حال، الآن أصبحنا في ما أصبحنا نحن عليه الآن. وهذا يفترض بنا ان نلجأ الى الاسلوب الذي يؤمن لنا الوضع الأفضل الذي بإمكاننا ان نحصل على انسحاب إسرائيلي من لبنان بعد تحقيق وقف لإطلاق النار من قبل إسرائيل. وبالتالي ان تنسحب اسرائيل ويعود للبنان إمكانية الإسهام في ضوء المفاوضات التي يجب ان تجريها الدول العربية تحت رعاية الولايات المتحدة من اجل ضمان حقوق الفلسطينيين، بحيث تكون هناك امكانية للتدرج نحو السلام العادل والشامل والدائم، بحيث نستطيع أن نحافظ على استقلال لبنان وسيادته على كامل أراضيه، وأيضا في أن يعودوا اللبنانيون النازحون الى قراهم وبلداتهم وتجري عملية إعادة البناء والاعمار. إذا على لبنان ان ينظر الى الامور من زاوية الإشكالات الكبرى التي أصبحنا في خضمها. فبداية، علينا أن نعمل من أجل أن يتوقف إطلاق النار وان يعود اللبنانيون الى ديارهم وتبدأ عملية اعادة الاعمار وبالتالي ايضا عند ذلك يكون مكان للتقدم على مسارات جديدة لكن بالتضافر والتضامن بيننا وبين الدول العربية”.
وعما اذا كان ما يزال عند رأيه بأن حزب الله فقد مبررات وجود سلاحه وان هذا السلاح أصبح عبئا على لبنان، قال السنيورة: “نعم، أنا ما زلت أقول ذلك لأنه فعليا في كثير من أمور الحياة، إن كان بالأعمال العسكرية أو بالسياسة، أو بأي أمر آخر، يجب ان يكون لكل عمل مردود سياسي أو مردود وطني أو مردود مادي أو غير ذلك. انا باعتقادي انه الذي جرى خلال هذه الفترة إذا قارنا المردود مع التكلفة لوجدنا ان هذه التكلفة كانت باهظة جدا على لبنان باهظة بسبب هذا العدد الكبير من الشهداء والضحايا والجرحى، وباهظ علينا أيضا من خلال التدمير الكبير الذي تعرض له لبنان. وباهظ من خلال هذا الاحتلال الكبير الذي أصبحنا تحت نيره. الآن كل هذه الامور يجب ان نأخذها بعين الاعتبار. دعني أعطيك مثال على ذلك في العام 2006. أقدم حزب الله على الانسحاب من حكومتي وبررها السيد حسن نصر الله بأن ذلك احتجاجا على موقف الحكومة اللبنانية من مسألة المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ها هي الأيام تعود، وها هو السيد نواف الموسوي يقول منذ أسبوعين بأن السيد حسن نصر الله وردا على سؤال من إحدى الصحفيات التي سألته: “هل ستنسحبون من حكومة نواف سلام؟”. وكان جوابه على ذلك بان السيد حسن نصر الله كان قد اعاد دراسة ما حصل في العام 2006، وأيقن ان ذلك كان خطيئة ارتكبها حزب الله بالانسحاب من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وبالتالي فان حزب الله الان لن يكرر هذا الخطأ. أما كان من الممكن لحزب الله ان يعيد تقييم الامور وبالتالي ان يعيد دراسة واستخلاص العبر والدروس من كل هذه المحن والتجارب في العام 2006، وبعد ذلك في مراجعة نفسه أيضا في العام 2023، لماذا زجوا بلبنان في هذه المعمعة الكبيرة التي نحن بها الآن؟ ماذا كانت النتيجة على لبنان؟ كل ما حصل كان وبالا كبيرا على لبنان، ومن كل الجهات. ليست القضية في أن علينا أن نحارب إسرائيل هكذا. ولكن علينا أن نقوم قبل ذلك بتقييم الأمور لمعرفة ما إذا كان ذلك من مصلحتنا ومن مصلحة اللبنانيين. وإذا لم يكن لدينا مصلحة حقيقية لا نورط لبنان بأمر ليس من قدرته ولا يستطيع الخروج منه. دعني أن استشهد هنا بمنادمة جرت ما بين عمرو بن العاص ومعاوية قبل 14 قرنا حين قال عمرو بن العاص: “أنا لا أدخل في أي أمر إذا لم اعرف كيف يمكن لي الخروج منه”. فرد عليه معاوية بالقول: “أنا لا ادخل في أي أمر إذا كنت اعلم انني سأضطر الى الخروج منه”. هذا الامر الذي نحن بصدده اليوم هو باختصار اننا اقحمنا بلدنا وأهلنا في امور لا نستطيع ان نخرج منها بل على العكس من ذلك كانت وبالا على لبنان. أما آن لنا ان نتعلم من هذه الدروس ونتعظ ولا نقدم على مغامرات لسنا بقدرها”.
وعما اذا حزب الله كان قد مثل سابقا جزءا من الردع للكيان الصهيوني، قال: “انا لا أنكر ان اسرائيل لا تضمر الخير للبنان على الاطلاق ولا لأي دولة عربية ولا للعرب. وبالتالي هي تتحين الفرص، نعم تتحين الفرص للإضرار بنا. هل نعطيها هذه الفرص؟ هذا ليس بالتصرف العاقل وليس هكذا نتصرف ونقامر ونغامر بمستقبل بلدنا وإنساننا. أنا اعتقد، وفي هذه الأمور، يجب أن نعلم أن عدونا ماكر ويتحين بنا الفرص، وبالتالي يجب ان نتصرف بما يحمي بلدنا وليس ان نضع لبنان في مهب الريح المجنونة التي يمكن ان تجرفهن وبالتالي لا يستطيع على الاطلاق أن يتصدى لها. كلنا نعلم القوة التي باتت تتمتع بها اسرائيل عسكريا وتكنولوجيا واستخباراتيا، وحيث أصبح حزب الله مكشوفا أمامها. ألم يتعلم حزب الله مما جرى في العام 2024. ألم يتعلم من مأساة البيجر؟ ألم يتعلم من مأساة اغتيال حسن نصر الله؟ ألم يتعلم بعد ذلك من كل ما جرى في العام 2024؟ هذه كلها دروس بالتالي علينا أن نراجع أنفسنا كيف يمكن لنا أن نستبق إسرائيل ولا نقع فريسة لها؟ إسرائيل لديها القدرة على الاستباق يجب ان نعرف أنفسنا بماذا نتمتع به وما هي ميزاتنا التفاضلية؟ كيف يمكن لنا ان نخاطب المجتمع الدولي بشكل سليم، ولاسيما بعد أن جرى ارتكاب حماقة العام 2023 وحماقة العام 2024 وحماقة العام 2026. المؤسف الذي حصل كان بالعكس، وحيث أصبحنا فيه بحال مؤسفة، وأننا لم نعد قادرين على مخاطبة المجتمع الدولي لكي يقف الى جنبنا. هذه الامور التي علينا ان نستخلصها والدروس التي علينا أن نستفيد منها، وبالتالي أن نبتعد عن ان نضع أنفسنا في فك التنين. لا يجوز أن نخرب بلدنا بتجارب أثبتت فشلها، كما يقولون: “اللي جرب المجرب بيكون عقله مخرب”.
وعن اللقاء الثلاثي الاول في واشنطن، رأى السنيورة ان “على لبنان أن يتمسك بطلب وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من لبنان. لبنان الآن يتعرض لظلم كبير، والآن علينا أن نسترجع دور الضحية، ولا سيما بعد العملية الإجرامية التي ارتكبتها إسرائيل يوم الاربعاء الماضي والتي ادت الى هذا العدد الكبير من الضحايا ومن الدمار في وسط بيروت وفي عدد من البلدات والقرى اللبنانية. علينا أن نخاطب العالم لكي يقف العالم إلى جانبنا. علينا أن نسترجع دور الضحية وان نبين للعالم باننا مظلومين، وان اسرائيل تظلمنا وان العالم إذا لم يقف إلى جنبنا يظلمنا أيضا علينا أن نحول هذه الكارثة التي وقعنا فيها الى فرصة في مخاطبة العالم من اجل تحصيل حقوقنا”.
وعما اذا كان يعتقد ان على لبنان الالتزام بالقرار 1701، قال: “علينا ان نتمسك بالقرار 1701. وعلينا ان نتمسك باتفاق الهدنة في عام 1948. هذه النقاط الأساسية التي لدينا، وعلينا ان نتمسك ايضا بكل القرارات الدولية التي صدرت عن مجلس الامن والتي هي لصالحنا. هذه الأمور تتطلب منا أن نبني موقفا لبنانيا وطنيا جامعا، وكلما استطاع لبنان ان يظهر امام العالم بانه موحد بالداخل وان لديه موقف وطني شامل، فإن لبنان عندها يكون رابحا. يا سيدي، لبنان أقوى ما يكون عليه عندما يكون موحدا بين جميع ابنائه ومتضامنين بين بعضهم بعضا في الدفاع عن لبنان وعن استقلال لبنان وعن سيادته وحرياته”.
وعما اذا كان لبنان قادرا على استعادة دوره السيادي وفرض النفوذ على حدوده وفي داخله، قال: “لا شك ان لبنان الان بحاجة الى امور عدة كما ذكرت لك في بداية حديثي. وبداية، في الحفاظ على وحدة ابنائه الامر الثاني اننا بحاجه الى دعم من المجتمع الدولي وفي مقدمه من الولايات المتحدة لممارسة الضغط على إسرائيل من أجل وقف الحرب على لبنان والانسحاب منه. وأيضا لمساعدة الدولة اللبنانية سياسيا، لكي تستعيد الدولة اللبنانية صدقيتها أمام شعبها والعالم في الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها والبدء بالانسحاب من بعض المناطق المحتلة من قبلها في لبنان. كما أننا بحاجة الى دعم اشقائنا واصدقائنا لدعم الجيش اللبناني في تعزيز قدراته الدفاعية والأمنية من اجل ان تبسط الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على جميع أراضيها. كما أن الدولة اللبنانية بحاجة إلى تطوير سردية وطنية تجمع فيها بين اللبنانيين، ولا سيما لطمأنة أهالي الجنوب بأنهم سيعودون إلى بلداتهم وقراهم، وأنه سيصار إلى إعادة إعمار ما تهدم. هذه هي الامور التي نحن نتوخاها من اشقائنا واصدقائنا وحلفائنا وكذلك من اللبنانيين في العالم”.
