نِين معنى النجاة ومعنى الخيانة: لبنان يقرأ الاتفاق
بقلم نِعمت كرومّ
سياسيًا، يمكن اختصار الاتفاق في جملة واحدة: إنه محاولة أمريكية لفصل الساحة اللبنانية عن الإيقاع الإيراني، عبر نقل مركز الثقل من معادلة السلاح إلى معادلة الدولة.
منذ عقود، كان “حزب الله” يقول ضمنيًا: أنا من يحدد متى تكون الحرب، ومتى يكون السلام، وما هي المصلحة الوطنية. أما الاتفاق فيحاول أن ينقل هذا الحق إلى الدولة. أي أنه لا ينقل السلاح فقط، بل ينقل حق تعريف الواقع السياسي نفسه.
وهنا تصبح المعركة أعمق من السلاح.
ليست المشكلة أن الاتفاق يطالب بنزع السلاح. المشكلة أنه يحاول تحويل السلاح من مصدر للشرعية إلى موضوع للنقاش. وهذا تحول هائل.
هذه ليست معركة على من يملك حق رواية قصة لبنان، بل هي صراع السرديات والذاكرة: صراع على من يكتب الماضي، ومن يفسّر الحاضر، ومن يحدد معنى الخلاص.
هنا، تصبح الدلالات والمؤشرات علامات على تحوّل أعمق في بنية الشرعية.
لكن هذا المستوى السياسي لا يكفي وحده لفهم ما حدث. فبمجرد إعلان الاتفاق، لم يدخل اللبنانيون في نقاش قانوني أو مؤسساتي، بل في انفجار من الذاكرة والانفعال، حيث بدأت كل جماعة بقراءة الحدث من داخل جرحها الخاص، لا من داخل نصه.
هنا لم يعد الاتفاق موضوعًا سياسيًا بقدر ما أصبح محفّزًا للذاكرة الجماعية. فاستُدعي 17 أيار لا بوصفه حدثًا تاريخيًا، بل بوصفه نموذجًا جاهزًا للخوف. وكأن الماضي لم يُغلق، بل بقي حاضرًا كأداة تفسير فوري لأي تسوية مع إسرائيل.
في هذا السياق، لم يكن التخوين مجرد خطاب سياسي، بل آلية دفاع نفسي ضد عدم اليقين. فحين تعجز الجماعة عن تثبيت معنى واضح للحدث، يصبح الاتهام بالخيانة أسرع طريق لإعادة إنتاج اليقين: إما معنا أو ضدنا. هكذا تُختزل التعقيدات السياسية إلى ثنائية أخلاقية حادة، تُريح الوعي من عبء التفكير، لكنها تعمّق الانقسام في الوقت نفسه.
أما السخرية، فقد اشتغلت كطبقة أخرى من الدفاع. فهي ليست رفضًا بسيطًا للحدث، بل طريقة لتفريغ التوتر أمام واقع لا يمكن الوثوق به بالكامل ولا رفضه بالكامل. في بلد تعلّم أن الاتفاقات قد تنقلب على أصحابها.
تصبح النكتة شكلًا من أشكال الحذر الوجودي، وسلاحًا خفيفًا ضد خيبة متوقعة. لذلك لم تكن التعليقات الساخرة مجرد ضجيج رقمي، بل مؤشّرًا على فقدان الثقة بالمعنى المستقر للسياسة نفسها.
بين التخوين والسخرية، يتكشف نمط أعمق: مجتمع لا يتعامل مع الحدث بوصفه حدثًا، بل بوصفه تكرارًا محتملاً لكارثة سابقة. وهكذا تتحول السياسة إلى ذاكرة تعمل بسرعة أكبر من التحليل، وتسبق أي محاولة لفهم ما يجري فعليًا.
لكن ما يكشفه هذا التفاعل الأعمق من التخوين والسخرية هو أن الانقسام اللبناني لا يدور حول الاتفاق نفسه بقدر ما يدور حول معنى “الخلاص”.
فكل طرف لا يتعامل مع الاتفاق بوصفه نصًا سياسيًا، بل بوصفه مرآة تختبر داخله روايته عن النجاة: رواية ترى في الدولة نهاية لحالة استثناء طويلة، وأخرى ترى في استمرار معادلة القوة شكلًا من أشكال الحماية من انكشافات سابقة.
وبين هذين التصورين، لا يعود الاتفاق حدثًا واحدًا يُقرأ بالطريقة نفسها، بل يتحول إلى موقع تتقاطع فيه تعريفات متعارضة لما يعنيه “الأمان” في الوعي اللبناني نفسه.
لا يبدو الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي حدثًا يفتح زمنًا جديدًا بقدر ما يكشف طبقات قديمة كانت تعمل تحت سطح السياسة: طبقات الذاكرة، والخوف، وحدود المعنى التي تتقاطع عند تعريف الدولة نفسها.
فما يظهر كاتفاق على مستوى النص السياسي، يتكشف في الوعي اللبناني كساحة مفتوحة على صراع غير محسوم حول الدولة، والخلاص، وحدود ما يمكن أن يُسمّى “استقرارًا”.
ويظل ما بعده معلقًا بين روايتين لا تلتقيان.
الحدث يتبدل، لكن الصراع يبقى في مكانه.

