من سقوط بغداد إلى مستنقع إيران: حدود القوة في زمن الحروب المفتوحة

من سقوط بغداد إلى مستنقع إيران: حدود القوة في زمن الحروب المفتوحة

بقلم نعمت كرّوم

في عام 2003 دخلت القوات الأمريكية بغداد خلال أسابيع. لم تُقدَّم الحرب بوصفها عملية عسكرية لإسقاط نظام صدام حسين فقط، بل رافقها خطاب عن تحرير الشعب العراقي، وبناء دولة ديمقراطية، وفتح طريق للاستقرار والتنمية بعد عقود من الاستبداد. سقط النظام، وبدا أن الحرب حُسمت بسرعة لمصلحة القوة العسكرية الأكبر في العالم. لكن المشهد الذي جاء بعد ذلك كان مختلفًا: مؤسسات الدولة تفككت، وحُلّ الجيش العراقي، وفتح الفراغ الأمني والسياسي الباب أمام صراعات داخلية وتدخلات إقليمية.
لم تكن واشنطن تفتقر إلى القدرة على إسقاط النظام. كانت تملك القوة التي حسمت المعركة الأولى، لكن ما تلا سقوط السلطة كان أكثر تعقيدًا من المعركة نفسها.
في أفغانستان، تكرر المأزق بصورة أكثر قسوة. بعد عشرين عامًا من الوجود العسكري الأمريكي، وآلاف العمليات، وإنفاق هائل، انتهى المشهد بانسحاب القوات الأمريكية من كابول عام 2021 وعودة طالبان إلى السلطة.
لم تمنع القوة العسكرية الأمريكية انهيار الواقع السياسي الذي حاولت واشنطن بناءه بعد خروج قواتها.
سقط القذافي في ليبيا، لكن سقوطه لم ينتج دولة مستقرة. تفككت مراكز السلطة، وتعددت القوى المسلحة، وتحولت البلاد إلى ساحة صراع بين قوى داخلية وخارجية.
هذه الحروب لم تكن حوادث منفصلة. كانت جزءًا من نمط تاريخي استخدمت فيه القوة لإعادة تشكيل دول ومناطق كاملة. وكان الاختبار الأصعب يبدأ بعد سقوط السلطة، لا قبله.
في هذه الحالات، كان إسقاط الخصم ممكنًا، لكن إدارة ما بعد الحرب أثبتت أنها أكثر تعقيدًا. فالقوة العسكرية تستطيع تغيير موازين السيطرة، لكنها لا تنتج وحدها نظامًا سياسيًا قادرًا على البقاء.
في أوكرانيا، بدأت الحرب وسط توقعات بحسم سريع يفرض واقعًا سياسيًا جديدًا. لكن الحرب تحولت إلى مواجهة طويلة تستنزف الطرفين.
لم تستطع موسكو تحقيق الأهداف التي أعلنتها في بداية الحرب، وفي المقابل لم يحول الدعم العسكري والاقتصادي الغربي الواسع لأوكرانيا هذا الصراع إلى نهاية سياسية واضحة.
ومع امتداد القتال، لم تعد الخسائر عسكرية فقط، بل طالت المدنيين والبنية التحتية والاقتصاد.
في إيران، كانت الضربة تواجه دولة وشبكات نفوذ تراكمت على مدى عقود.
خلال عقود، بنت إيران شبكة من الحلفاء والشركاء المحليين في العراق وسوريا ولبنان واليمن، مستفيدة من التحولات التي شهدتها المنطقة بعد سقوط العراق عام 2003، ومن الفراغات التي خلفتها الحروب.
كان اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني قرب مطار بغداد عام 2020 ضربة كبيرة لأحد أبرز مهندسي هذه الشبكة، لكنه لم يُنهِ البنى التي تشكلت عبر سنوات.
في سوريا، واصلت إسرائيل استهداف مواقع مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وخطوط نقل السلاح إلى حزب الله، في محاولة للحد من الوجود العسكري الإيراني قرب حدودها. لكن هذه الضربات لم تُنهِ الترتيبات التي تشكلت خلال سنوات الحرب السورية.
وفي البحر الأحمر، انتقل الصراع إلى مستوى آخر. فقد أثبتت هجمات الحوثيين على السفن أن قوة بقدرات عسكرية محدودة تستطيع التأثير في أحد أهم الممرات التجارية في العالم، ورفع تكاليف النقل والتأمين.
وفي خضم هذا الصراع، تغيّر الخطاب الأمريكي تجاه إيران. فمن الحديث عن “تحرير الشعب الإيراني “إلى التهديد المتكرر بتدمير إيران وإعادتها إلى “العصر الحجري”.
لكن وقف إطلاق النار لا يغلق الملفات التي فتحت الحرب: البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، والنفوذ الإقليمي، وشبكات الحلفاء.
ومن بغداد إلى كابول وطرابلس، ومن أوكرانيا إلى البحر الأحمر وإيران، ظهرت حدود القوة العسكرية أمام تعقيدات السياسة.
فالقدرة على الهجوم لا تعني امتلاك زمام ما بعد الحرب.

Spread the love

Maysaa Haydar