اتفاق مكة: من انتظار الحماية إلى صناعة الردع47 يومًا غيّرت قواعد الأمن في المنطقة

اتفاق مكة: من انتظار الحماية إلى صناعة الردع47 يومًا غيّرت قواعد الأمن في المنطقة

نعمت كرّوم

في 21 يونيو/حزيران، كانت القاهرة تجمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان حول طاولة واحدة لمناقشة أمن المنطقة. الاجتماع الرابع للمجموعة الرباعية لم يكن لقاءً بروتوكوليًا عابرًا؛ فقد انعقد بدعوة مصرية، واستقبل عبد الفتاح السيسي وزراء الخارجية الثلاثة، وتحدث عن الدول الأربع باعتبارها ركائز أساسية للأمن والاستقرار الإقليميين، داعيًا إلى تطوير آلية التشاور بينها إلى إطار مؤسسي قادر على التعامل مع أزمات المنطقة. وأكد البيان المشترك أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع، وربط أمن الخليج باستقرار المنطقة الأوسع.
بعد 47 يومًا فقط، تغيرت طبيعة العلاقة.
في 7 أغسطس/آب، اجتمع محمد بن سلمان ورجب طيب أردوغان وشهباز شريف في مكة، ووقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية للدفاع المشترك. وتنص الصيغة المعلنة على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره اعتداءً عليها جميعًا، فيما يهدف الاتفاق إلى تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي. أما التفاصيل التشغيلية والالتزامات العسكرية الدقيقة وآليات تنفيذها، فلم تُعلن بالكامل.
في القاهرة كانت الصيغة هي التشاور والتنسيق وبناء إطار مؤسسي. في مكة أصبحت الصيغة دفاعًا متبادلًا وقاعدة سياسية تقول إن الاعتداء على طرف لن يبقى بالضرورة شأنًا منفردًا.
هنا انتقلت العلاقة من الحديث عن الأمن إلى تحمل جزء من كلفته.
ثلاث دول تضع قدرات مختلفة داخل إطار دفاعي واحد: السعودية بثقلها الاقتصادي وموقعها المحوري في سوق الطاقة، وتركيا بجيشها وصناعتها الدفاعية وموقعها داخل حلف الناتو، وباكستان بقدرتها العسكرية وترسانتها النووية.
القوة لا تأتي من تشابه الدول، بل من اختلاف عناصر قوتها.
من أرامكو إلى مكة: درس الحصانة
في 14 سبتمبر/أيلول 2019، وصلت الهجمات إلى بقيق وخريص، وضربت منشآت تقع في قلب صناعة الطاقة السعودية، في وقت كانت المملكة تنفق بكثافة على الدفاع وتمتلك منظومات تسليح متقدمة وترتبط بشراكة أمنية عميقة مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك وصلت الضربة.
في بقيق وخريص ظهر حد آخر للقوة السعودية: يمكن شراء منظومات دفاع متقدمة، ويمكن بناء شراكة أمنية عميقة مع واشنطن، لكن لا يمكن بناء حصانة مطلقة حول دولة تقع منشآتها الحيوية على خريطة صراع إقليمي.
لم يكن الدرس أن السلاح لا يحمي، بل أن السلاح وحده لا يصنع أمنًا مطلقًا. المنشأة يمكن حمايتها، لكن حماية الدولة تحتاج إلى ما يتجاوز حدودها؛ إلى شبكة من العلاقات والالتزامات تجعل أي هجوم عليها يحمل كلفة تتجاوز حدودها.
من هنا بدأ السؤال السعودي يتغير: ليس فقط ما الذي تستطيع الدولة امتلاكه، بل ما الذي تستطيع أن تجمعه حول قوتها.
السعودية: من شراء السلاح إلى بناء شبكة قوة
لسنوات طويلة، ارتبط الأمن السعودي بشراء أحدث الأسلحة وبالمظلة الأمنية الأميركية. لكن الرياض وسعت خلال السنوات الأخيرة شبكة علاقاتها وشراكاتها، من الصين إلى تركيا وباكستان، بالتوازي مع فتح مسار دبلوماسي مع إيران.
هذا التحول لا يعني استبدال حليف بحليف، بل توسيع مصادر القوة وتقليل الاعتماد على مركز واحد.
اتفاق مكة يضيف إلى هذا المسار طبقة دفاعية جديدة. فهو لا يكتفي بإعلان التضامن، بل يضع قاعدة سياسية تقوم على أن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث لن يبقى بالضرورة شأنًا منفردًا. ولا تزال التفاصيل التشغيلية والالتزامات العسكرية الدقيقة غير معلنة بالكامل، لكن الردع يبدأ قبل الحرب، لأن وظيفة القوة ليست استخدامها فقط، بل جعل استهداف الدولة أكثر كلفة.
الأمن السعودي لم يعد داخل الحدود
السعودية تدخل هذا الترتيب وهي تحمل خريطة أمنية تتجاوز حدودها. جنوبًا، اليمن والحوثيون والبحر الأحمر وباب المندب. وشمالًا، العراق والفصائل المسلحة. وشرقًا، الخليج ومضيق هرمز والمنشآت التي تقوم عليها عصب الطاقة السعودية.
لم تعد الحدود في هذه الخريطة خطًا مرسومًا على الأرض. الصاروخ الذي يأتي من خارج الحدود، والمسيّرة التي تعبر مئات الكيلومترات، والهجوم على منشأة نفطية أو ميناء، والسفينة التي تتعرض للخطر في ممر دولي، كلها أصبحت امتدادًا واحدًا للأمن القومي.
وهذا ما يجعل اليمن والبحر الأحمر جزءًا من الحساب السعودي، حتى من دون أن ينص اتفاق مكة على دخول تركيا أو باكستان حربًا في اليمن. لا توجد في الوثيقة المعلنة آلية تلزم الدول الثلاث بالتدخل العسكري في هذه الساحات؛ لكن اليمن والبحر الأحمر والعراق والخليج وهرمز تمثل ساحات يمكن أن تختبر فيها قيمة الاتفاق.
وفي العراق، جاء الاختبار قبل توقيع مكة بأيام. ففي 29 يوليو/تموز، أعلنت السعودية أن قواتها، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، نفذت ضربات دقيقة ومحددة داخل العراق استهدفت مواقع لجماعات مسلحة مدعومة من إيران، قالت الرياض إنها مرتبطة بالهجمات بطائرات مسيّرة على منشآت النفط السعودية. وجاءت الضربات بعد اعتراض مسيّرات أُطلقت من الأراضي العراقية باتجاه منشآت في المنطقة الشرقية، لتصبح الجبهة العراقية امتدادًا مباشرًا لحسابات أمن المملكة.
الجبهة لم تنتظر الاتفاق حتى تبدأ؛ الاتفاق جاء بعد أن بدأت الجبهة في إنتاج كلفتها العسكرية.
أما الخليج، فقصته أوسع من أي عملية منفردة. الممرات البحرية والطاقة والتجارة أصبحت جزءًا من الأمن الاستراتيجي، لأن تعطيل حركة السفن لا يحتاج إلى احتلال أرض حتى يتحول إلى ضغط اقتصادي وسياسي. وعندما تصبح الطاقة والتجارة أهدافًا، تصبح حماية الممرات جزءًا من الردع نفسه.
تركيا: حين يتحول السلاح إلى صناعة
تدخل تركيا اتفاق مكة بقوة تتجاوز حجم جيشها؛ فخلال السنوات الماضية تحولت صناعاتها الدفاعية إلى أحد مصادر نفوذ أنقرة، من الطائرات المسيّرة والصواريخ إلى السفن والمدرعات وأنظمة الحرب الإلكترونية والصناعات الجوية.
الطائرات المسيّرة كانت المثال الأكثر وضوحًا. فقد ظهرت في ساحات متعددة وأظهرت كيف يمكن لتكنولوجيا عسكرية أقل كلفة أن تغير موازين المعارك عندما تقترن بالإنتاج المحلي والقدرة على التطوير.
لكن قصة تركيا لا تختصر في المسيّرات.
الدولة التي تصنع أدوات قوتها لا تملك السلاح فقط؛ بل تملك هامش القرار الذي يرافقه.
وهذا ما تضيفه أنقرة إلى اتفاق مكة: صناعة دفاعية، وتكنولوجيا، وخبرة عملياتية، وقدرة على تطوير السلاح بدل الاكتفاء بشرائه. ويضاف إلى ذلك موقعها الجغرافي وعضويتها في الناتو، بما يجعل دخولها في ترتيب دفاعي إقليمي جديد إضافة نوعية، لا مجرد زيادة في عدد الجنود.
باكستان: الردع الذي يغيّر الحسابات
هنا يدخل العنصر الأكثر حساسية في الاتفاق: باكستان النووية.
وجود قوة نووية داخل اتفاق دفاعي مع السعودية وتركيا يرفع مستوى الحسابات، لكنه لا يعني أن الدول الثلاث أنشأت تحالفًا نوويًا. ولا يتضمن الاتفاق المعلن آلية تجعل الترسانة النووية الباكستانية جزءًا من التزام دفاعي مشترك.
اتفاق مكة ليس «ناتو إسلاميًا»، وليس حلفًا نوويًا. قوته لا تأتي من تسميته «نوويًا» أو «إسلاميًا»، بل من جمعه قدرات مختلفة داخل إطار دفاعي واحد.
باكستان تضيف إلى المعادلة قوة عسكرية كبيرة، وموقعًا استراتيجيًا، وخبرة طويلة في العمليات الأمنية، وقدرة على الردع النووي تجعل حسابات التصعيد أكثر حساسية، من دون أن يعني ذلك أن ترسانتها أصبحت جزءًا معلنًا من الاتفاق.
السعودية تضيف الثقل الاقتصادي والطاقة والموقع.
تركيا تضيف الصناعة والتكنولوجيا والقوة العسكرية.
باكستان تضيف القوة العسكرية والردع الاستراتيجي.
المعادلة لا تقوم على امتلاك الدول الثلاث للسلاح نفسه، بل على تكامل ما تملكه كل دولة.
وهنا يبدأ الردع قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى.
إيران: جزء من الحساب وليست كل الحساب
لا يصح اختزال اتفاق مكة في كونه جبهة ضد إيران. فالرياض فتحت باب الحوار مع طهران واستعادت العلاقات معها بوساطة صينية، وفي الوقت نفسه وسعت خياراتها الأمنية.
هذا ليس تناقضًا.
الدبلوماسية لا تلغي الردع، والردع لا يلغي الدبلوماسية.
الدولة تستطيع أن تفاوض خصمها، وفي الوقت نفسه ترفع كلفة تهديدها.
اتفاق مكة لا يعلن حربًا على إيران، والجانب التركي أكد أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها. لكنه يغير الحسابات التي سترافق أي تهديد مستقبلي للسعودية؛ فإذا كانت الرياض وحدها في مواجهة الخطر، فالحساب مختلف، أما إذا أصبح الاعتداء عليها مرتبطًا بشبكة تضم تركيا وباكستان، فإن كلفة التصعيد تصبح أكثر تعقيدًا.
واشنطن: عندما تتغير وظيفة الحليف
لا يعني اتفاق مكة خروج الولايات المتحدة من المنطقة. القوة الأميركية ما زالت هائلة، وشبكة تحالفاتها العسكرية والأمنية لا يمكن تجاهلها.
لكن وظيفة الحليف تتغير.
الدول التي اعتمدت طويلًا على مظلة أميركية بدأت تبحث عن مصادر قوة إضافية، لا بالضرورة بديلًا عن واشنطن، بل إلى جانبها. السعودية لا تستبدل واشنطن بأنقرة، وتركيا لا تخرج من الناتو، وباكستان لا تدخل محورًا مغلقًا.
ما يحدث هو توسيع لمصادر القوة وإعادة توزيع لمساحات المناورة.
القوى الكبرى لا تختفي، لكنها لم تعد وحدها من يحدد شكل الأمن الإقليمي.
مصر: الدولة التي كانت على الطاولة وبقيت خارج الاتفاق
وهنا تعود مصر إلى وسط الصورة.
القاهرة كانت على الطاولة قبل مكة، بل كانت هي التي دعت إلى اجتماع يونيو. وفي 21 يونيو، اجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في القاهرة، وأكدوا أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع، فيما دعا السيسي إلى تطوير الآلية الاستشارية إلى إطار مؤسسي فعال قادر على التعامل مع أزمات المنطقة.
ثم جاء الاتفاق الدفاعي ولم تدخل مصر فيه.
لا توجد وثيقة مصرية تقول إن القاهرة رفضت الانضمام، ولا تصريح سعودي يقول إن الرياض استبعدتها. لذلك لا يصح بناء رواية كاملة على كلمة «استبعاد».
لكن الوقائع نفسها أكثر إثارة.
مصر شاركت في الآلية التي بحثت أمن المنطقة، واستضافت اجتماعها، وتحدث رئيسها عن تحويلها إلى إطار مؤسسي، ثم انتقلت الدول الثلاث إلى اتفاق دفاعي من دونها.
المسألة لا تتعلق بالقوة العسكرية المصرية. فمصر تملك موقعًا لا يمكن لأي ترتيب أمني في المنطقة تجاهله: قناة السويس، والبحر الأحمر، والبحر المتوسط، والجيش المصري، وحدودها مع ليبيا وغزة والسودان، كلها تجعل القاهرة تقع عند تقاطع أكثر من مسرح أمني.
لكن هذا بالضبط قد يجعل الالتزام الدفاعي الشامل أكثر تعقيدًا بالنسبة إليها. فمصر لا تستطيع اختزال خريطتها الأمنية في الجبهة التي تقلق الرياض، ولا تحويل كل أزمة تقع في المجال السعودي أو التركي أو الباكستاني إلى التزام عسكري مصري تلقائي.
هناك فارق بين أن تكون مصر جزءًا من هندسة الأمن الإقليمي، وبين أن تكون طرفًا في التزام دفاعي تلقائي.
القاهرة، حتى الآن، اختارت الأولى.
مكة: عندما تتحول القوة إلى شبكة
بين القاهرة ومكة لم يتغير عدد الدول التي تتحدث عن أمن المنطقة فقط؛ تغير نوع الالتزام.
في القاهرة، كانت أربع دول تبحث التشاور والتنسيق وبناء إطار مؤسسي. في مكة، انتقلت ثلاث منها إلى دفاع متبادل وتعاون دفاعي، فيما بقيت آليات التنفيذ والالتزامات العسكرية التفصيلية بحاجة إلى أن تُترجم إلى إجراءات عملية.
هذا هو التحول الحقيقي.
فالشرق الأوسط لا يخرج فجأة من المظلة الأميركية، ولا يستبدل واشنطن بتحالف إقليمي في ليلة واحدة. ما يحدث أكثر تعقيدًا: الدول التي بنت أمنها لعقود على قوة خارجية بدأت تضيف إلى تلك المظلة ترتيبات تستطيع من خلالها توزيع المخاطر وبناء قدرات إقليمية خاصة بها.
في عالم تتوزع فيه القوة بين مراكز أكثر عددًا، لا تصبح الدولة أقوى لأنها تملك أكبر ترسانة، بل لأنها تستطيع أن تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم قبل أن يختبروا حدودها.
لكن قيمة اتفاق مكة لن يحسمها الاسم.
سيحسمها الاختبار.
عندما تأتي أول ضربة تختبر النص الذي وقعته الدول الثلاث في مكة، سيتحدد ما إذا كانت عبارة «الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع» ستتحول إلى قرار عسكري، أم ستبقى سقفًا سياسيًا للردع.
عندها فقط سنعرف إن كانت مكة قد شهدت توقيع اتفاق، أم بداية بناء منظومة.
فالانتقال من انتظار الحماية إلى صناعة الردع لا يحدث بتوقيع الوثيقة وحده. يبدأ عندما تتحول القدرات المتفرقة إلى التزام يمكن اختباره تحت النار.

Spread the love

Maysaa Haydar