معرض دمشق الدولي.. دمشق تفتح أبواب الاقتصاد العالمي

معرض دمشق الدولي.. دمشق تفتح أبواب الاقتصاد العالمي

نعمت كرّوم

تعود دمشق هذا العام إلى واجهة التجارة والاستثمار من بوابة معرضها الدولي الثالث والستين، بمشاركة نحو ألف جهة من قرابة 60 دولة، إلى جانب الوزارات والمؤسسات العامة والغرف التجارية والقطاع الخاص. وتخصص الأيام الأولى للقاءات الأعمال والشراكات والاستثمار، في محاولة لتحويل المعرض من مساحة لعرض المنتجات إلى منصة للتعاقد وبناء العلاقات الاقتصادية.
الحجم الحالي للمشاركة يختلف بوضوح عن الدورة السابقة. فقد استقطب معرض 2025 نحو 850 شركة من 22 دولة، بينما ارتفع العدد المعلن هذا العام إلى نحو ألف جهة من 60 دولة، مع مشاركة تركيا والسعودية وألمانيا ودول عربية وآسيوية وأوروبية، ومشاركة حكومية ألمانية للمرة الأولى في تاريخ المعرض.
وتأتي هذه العودة في وقت تتحرك فيه مؤشرات الاقتصاد السوري في الاتجاه نفسه. صندوق النقد الدولي يتوقع نموًا من خانتين خلال 2026، مدفوعًا بتحسن الزراعة وإنتاج المحروقات والكهرباء ونمو التجارة والخدمات، إلى جانب تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين. وفي المقابل، لا تزال البلاد تواجه مستويات مرتفعة من الفقر وحاجات كبيرة لإعادة بناء البنية التحتية وإصلاح القطاع المالي والمصرفي.
العقوبات.. تغير شروط التعامل
تزامنت عودة المعرض مع تحول مهم في البيئة القانونية والمالية المحيطة بسوريا. ففي 24 آب، قبل افتتاح المعرض بيومين، أزالت الولايات المتحدة رسميًا سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو تصنيف ظل قائمًا منذ عام 1979. وأدى القرار إلى إنهاء القيود المرتبطة بهذا التصنيف على بعض المساعدات والمعاملات المالية وغيرها من القيود المنصوص عليها في نظام العقوبات المرتبط بهذا التصنيف.
وكانت واشنطن قد اتخذت خلال 2025 و2026 خطوات أوسع لتخفيف ورفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، فيما اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات لرفع العقوبات الاقتصادية مع الإبقاء على إجراءات مرتبطة بأسباب أمنية. أما إزالة تصنيف «الدولة الراعية للإرهاب» فكانت خطوة منفصلة، لكنها مهمة بالنسبة إلى المصارف والشركات التي تقيّم المخاطر القانونية والمالية للتعامل مع السوق السورية.
أهمية هذه الخطوات تظهر في القطاعات التي بدأت تستعيد اهتمام المستثمرين بها. فعودة التجارة تحتاج إلى قنوات مالية وتحويلات مصرفية وتأمين وتمويل، وعودة الاستثمار تحتاج إلى قدرة الشركات على تحويل الأموال والدخول في شراكات طويلة الأجل من دون المخاطر التي فرضتها سنوات العقوبات.
في الوقت نفسه، تعمل دمشق على إعادة بناء علاقاتها بالنظام المالي العالمي وإصلاح القطاع المصرفي. وكان مصرف سوريا المركزي قد سمح في أيار للمصارف وشركات الدفع المرخصة بالتعامل مع شبكات الدفع العالمية مثل Visa وMastercard، في خطوة استهدفت تحديث البنية المالية وربط سوريا بالنظام المالي العالمي. وفي 9 أيار بدأت بالفعل أولى التجارب الفعلية للدفع عبر شبكتي Visa وMastercard داخل سوريا بعد انقطاع دام أكثر من 15 عامًا.
رأس المال يدخل القطاعات الأكثر حاجة إليه
الاستثمارات التي بدأت تظهر في سوريا لا تتركز في التجارة الاستهلاكية وحدها. الطاقة والكهرباء والنفط والغاز، الموانئ والنقل واللوجستيات، الاتصالات، الصناعة وإعادة الإعمار، كلها قطاعات تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وإلى تقنيات وشراكات طويلة الأجل.
في طرطوس، تمضي شركة DP World في برنامج استثماري بقيمة 800 مليون دولار لتطوير الميناء ضمن امتياز يمتد 30 عامًا، وقد اكتمل في آب تسليم ثلاث رافعات جديدة يُتوقع أن ترفع قدرة الميناء على مناولة البضائع بنحو 40%.
وفي شباط، أعلنت السعودية حزمة استثمارات واتفاقيات في سوريا شملت الطاقة والطيران والاتصالات والعقارات، ضمن حزمة بلغت نحو ملياري دولار، مع مشاريع لتطوير مطارات في حلب وتوسيع شبكة الاتصالات وإنشاء شركة طيران مشتركة.
أما تركيا فتتعامل مع السوق السورية باعتبارها امتدادًا اقتصاديًا مباشرًا لها، مع هدف معلن لرفع حجم التجارة الثنائية إلى 10 مليارات دولار، بعدما بلغ حجمها نحو 3.7 مليارات دولار في 2025. وتتركز فرص الشركات التركية في إعادة الإعمار والصناعة والطاقة والنقل والخدمات.
وفي الاتجاه الآخر، يبحث العراق في مشروع خط أنابيب جديد لنقل النفط من حقوله إلى الساحل السوري وميناء بانياس، بطاقة أولية محتملة تصل إلى مليوني برميل يوميًا. المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات، وتقدر كلفته بما لا يقل عن 15 مليار دولار، فيما قد يستغرق تنفيذه نحو أربع سنوات.
وتتقاطع هذه المشاريع مع موقع سوريا بين تركيا والعراق والخليج والبحر المتوسط. إعادة تأهيل الطرق والموانئ والطاقة والاتصالات يمكن أن تمنح الاقتصاد السوري دورًا يتجاوز السوق المحلية إلى التجارة الإقليمية وحركة السلع والطاقة.
المعرض في قلب الحركة الاقتصادية
في هذه البيئة يأتي معرض دمشق الدولي في دورته الثالثة والستين، فيما تركز الأيام الأولى على لقاءات الأعمال والاستثمار والشراكات.
وتستهدف الدورة الجديدة عقودًا واتفاقيات وشراكات تتجاوز قيمتها مليار دولار، بحسب إدارة المعرض. وهذا الرقم يبقى هدفًا للصفقات والاتفاقيات، وليس قيمة استثمارات دخلت الاقتصاد السوري بالفعل. الفارق بين الإعلان والتنفيذ سيكون أحد أهم مؤشرات نجاح الدورة.
وتكشف مقارنة المشاركة الحالية بدورة 2025 اتساع دائرة الاهتمام بالسوق السورية، بالتزامن مع عودة الاستثمارات في قطاعات الطاقة والموانئ والاتصالات، واتساع العلاقات التجارية مع دول المنطقة، وتراجع القيود التي كانت تجعل التعامل مع سوريا أكثر صعوبة.
الاقتصاد السوري أمام مرحلة مختلفة
المسألة الآن لا تتعلق فقط بجذب المستثمرين، بل بقدرة الاقتصاد السوري على استيعابهم وتحويل رؤوس الأموال إلى إنتاج.
الكهرباء والطاقة، النقل والموانئ، المصارف، الصناعة والزراعة، كلها تحتاج إلى استثمارات وإصلاحات متوازية. كما تحتاج الشركات إلى بيئة قانونية مستقرة، وتمويل مصرفي، وقواعد واضحة للاستثمار والتجارة.
لم تعد سوريا تتحرك داخل دائرة اقتصادية مغلقة كما كانت خلال سنوات الحرب والعقوبات. الشركات تعود، التجارة تتوسع، والاستثمارات تدخل قطاعات استراتيجية، والمصارف والمؤسسات المالية تعيد النظر في علاقتها بالسوق السورية.
ومعرض دمشق الدولي هو أحد أوضح مؤشرات هذه المرحلة.
وفي دمشق، ظهر أحمد الشرع داخل مقهى وهو يدفع قيمة فاتورته ببطاقة «Visa»، في أول عملية دفع له بالبطاقة بعد رفع العقوبات، بحسب ما وثقه مقطع الفيديو المتداول.
قد تبدو الصورة عادية: رئيس يجلس في مقهى ويدفع فاتورة. لكنها تأتي بعد سنوات كان فيها التعامل المالي مع سوريا محكومًا بقيود وعزلة جعلت الوصول إلى شبكات الدفع العالمية والتعاملات المصرفية الدولية أكثر تعقيدًا.

Spread the love

Maysaa Haydar