عودة لمن يصادر دور الدولة ويتسبب بخرابها: على الجميع أولا الخضوع لها واعتبارها المرجع والحامي ومالكة القرار والدور والسلاح والصلاحيات التي تجعل منها قوية وفاعلة وعادلة
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: “تقيم كنيستنا المقدسة اليوم تذكار آباء المجمع المسكوني السابع الذين دافعوا عن عقيدة إكرام الأيقونات، مدخلة إيانا إلى قلب الإيمان من خلال كلمة الرب يسوع في الإنجيل: «أنتم نور العالم… فليضئ نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات»، وكلمة الرسول بولس إلى تيطس: «صادقة هي الكلمة وإياها أريد أن تقرر حتى يهتم الذين آمنوا بالله في القيام بالأعمال الحسنة». الإيمان المسيحي ليس فكرة نحفظها، ولا شعارا نرفعه، بل هو حياة تستنير بالمسيح وتتحول إلى أعمال محبة وحق. لهذا، لم يكن المجمع المسكوني السابع مجرد إجتماع كنسي لمناقشة مسألة تاريخية، بل كان دفاعا عن حقيقة التجسد وعن إمكان أن يلتقي الإنسان بالله، وأن تقدس المادة حين تحملها نعمة الله”.
أضاف: “عقد المجمع المسكوني السابع في نيقية سنة 787، في زمن كانت فيه الكنيسة تعاني إضطهادا بسبب تكريم الأيقونات المقدسة. كان الموضوع أعمق من مجرد السؤال عن الصور: هل يستطيع الإنسان أن يصور المسيح؟ وهل يمكن للمادة أن تصبح وسيلة لإعلان حضور الله؟ وكان جواب الآباء مرتبطا مباشرة بسر التجسد. فالذي لا يرى صار منظورا، والذي لا يوصف إتخذ جسدا وصار إنسانا من أجل خلاصنا. أكد آباء المجمع التمييز الضروري بين العبادة التي تقدم لله وحده، والتكريم الذي يقدم للأيقونات المقدسة. فالأيقونة لا تعبد، لأن العبادة تقدم لله وحده، والتكريم الموجه إليها يعبر إلى الأصل، أي إلى الشخص الذي تمثله. لهذا قال القديس باسيليوس الكبير: «إكرام الصورة ينقل إلى الأصل». إننا لا نضع ثقتنا في الخشب والألوان، بل نعلن من خلال الأيقونة أن إبن الله جاء فعلا بالجسد، وأن وجه المسيح دخل تاريخنا، وأن الله لم يبق فكرة بعيدة عن الإنسان، بل صار قريبا منه بعد أن اتخذ جسدنا وولد من العذراء مريم. لذلك نفهم لماذا يضع الرب أمامنا في إنجيل اليوم صورة النور: «أنتم نور العالم». فالمسيحي لا يدعى إلى أن يكون نورا من ذاته، بل لأنه يحمل نور المسيح. فكما أن القمر لا يضيء من ذاته بل يعكس نور الشمس، كذلك الكنيسة والمؤمن لا يملكان نورا مستقلا عن المسيح. يقول الرب: «أنا نور العالم» (يو 8: 12)، ثم يقول لتلاميذه: «أنتم نور العالم». نورنا إذا هو النور الذي نقبله منه ونحمله إلى الآخرين”.
وتابع: “هذا هو التحدي الكبير لإنسان اليوم. نحن نعيش في عالم مليء بالصور لكنه ظمآن إلى النور. صور لا تنتهي على الشاشات، وصور تصنع في وسائل التواصل الإجتماعي بواسطة الذكاء الإصطناعي، وأخرى نرسمها لأنفسنا أمام الناس أو يريدها الآخرون لأنفسهم. وراء كثير من هذه الصور قلوب متعبة ووحدة عميقة وخوف من أن يعرف الآخرون حقيقتنا. أما الأيقونة فليست صورة لخلق إنطباع، بل هي نافذة تقود إلى الحقيقة، ودعوة إلى أن يصبح الإنجيل معاشا. إنها تذكرنا بأن الإنسان لا يجد كرامته في الصورة التي يصنعها عن نفسه، بل في وجهه الحقيقي أمام الله. لذلك، الدفاع عن الأيقونة لا ينفصل عن الدفاع عن الإنسان. إذا كان المسيح قد أخذ جسدا حقيقيا، فهذا الجسد ليس شيئا محتقرا، والإنسان ليس كائنا بلا قيمة، يظلم ويشتم ويقتل. الجسد مدعو إلى القيامة،والإنسان إلى التوبة، والحياة اليومية يمكن أن تصير مكانا للقداسة، والعمل والبيت والعائلة والعلاقات وكل ما نعيشه يمكن أن يتحول إلى موضع للقاء الله”.
وقال: “الرسول بولس يذكرنا بأن الإيمان الحقيقي ينبغي أن يظهر في الحياة، يقول: «ليتعلم ذوونا أن يقوموا بالأعمال الصالحة للحاجات الضرورية حتى لا يكونوا غير مثمرين». لا يكفي أن نعلق الأيقونة على الجدار إن لم يكن المسيح حاضرا في القلب، ولا يكفي أن نقبل الأيقونة إذا كنا نهين الإنسان الذي خلقه الله على صورته ومثاله، ولا يكفي أن نتحدث عن العقيدة الصحيحة إذا كانت حياتنا تفتقر إلى الرحمة والغفران والتواضع والمحبة. ولا يكفي طبعا التغني بحب الوطن إن لم يكن الإنسان أمينا لوطنه، يحترم قوانينه ويصون استقلاله ولا يقوم بأي عمل يشوه صورته أو يجلب له الأذى والخراب”.
أضاف: “هنا لا بد من التوقف عند من يصادرون دور الدولة أو لا يطبقون قوانينها أو يتسببون بخرابها ثم يسألون أين الدولة، ويحملونها ثقل أوزارهم. طبعا من واجب الدولة بسط سيادتها، وحماية حدودها وشعبها، وتأمين راحته واستقراره وسلامة حياته، إنما على الجميع أولا الخضوع للدولة واعتبارها المرجع الوحيد والحامي الوحيد الذي يمتلك القرار والدور والسلاح وكافة الصلاحيات التي تجعل منها دولة قوية، فاعلة وعادلة. حب الوطن ليس شعارا والوطنية لا يعبر عنها بالخطابات والتحديات والإتهامات بل «بالأعمال الحسنة والنافعة» كما يقول بولس الرسول، الأعمال التي تترك أثرا طيبا لا خرابا ودمارا وبؤسا”.
وتابع: “يدعونا المجمع المسكوني السابع اليوم إلى أن نسأل أنفسنا: ماذا يعني أن يكون المسيح مرئيا في حياتنا؟ هل يرى الناس فينا شيئا من رحمته؟ هل يرون نورا في طريقة عيشنا وكلامنا؟ أو غفرانا حين يخطئون إلينا؟ أو أمانة حين يلجأون إلينا، ورحمة حين يدور عليهم الزمن، وصدقا حين تطمس الحقيقة أو يساوم على الحق، ونزاهة حيث يعم الفساد؟ هل يرون محبة حين تسهل الإدانة؟ وهل يستطيع إنسان متألم أن يلمح من خلالنا وجه المسيح؟ آباء المجمع لم يدافعوا عن الأيقونات لكي تتحول المسيحية إلى مجموعة من الطقوس الخارجية، بل لأنهم عرفوا أن العقيدة والحياة لا تنفصلان. الإيمان الذي لا يتحول إلى محبة يصبح كلاما بلا ثمر، لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إننا نكرم المسيح حين نعتني بالإنسان المحتاج، لأن الرب قال: «بما أنكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه» (مت 25: 40)”.
وقال: “الأيقونة التي يحتاجها عالمنا اليوم هي إنسان يحمل المسيح في قلبه، وبيت تسكنه الصلاة، وعائلة لا تمارس محبة مشروطة، وشاب لا يبيع كرامته من أجل نيل المكاسب، وإنسان يستخدم التكنولوجيا دون أن يسمح لها بسرقة قلبه وضميره، ومواطن لا يخون وطنه، ومسيحي لا يكتفي بأن يقول: أنا أؤمن، بل يشهد بحياته عما صنعه المسيح في كيانه”.
وختم: “لذلك يقول الرب: «لا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال لكن على المنارة ليضيء لجميع الذين في البيت». فلا تخبئوا نور المسيح خوفا من العالم، ولا تسمحوا لخطاياكم بطمس قدرتكم على الشهادة للحق والخير. لقد حفظ لنا آباء المجمع إيمان الكنيسة بأن المسيح هو «صورة الله غير المنظور» (كو 1: 15)، وأنه صار إنسانا حقيقيا من أجل أن يجعل الإنسان شريكا في الحياة الإلهية. فلنحفظ نحن أيضا هذا الإيمان، لا بالكلمات وحدها، بل بحياة تظهره، علنا نصبح أيقونات حية لنوره”.
