الرفاعي: الأمن ليس مجرد إجراءات عسكرية بل دولة تحمي مواطنيها وقانون يُطبّق على الجميع ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها

الرفاعي: الأمن ليس مجرد إجراءات عسكرية بل دولة تحمي مواطنيها وقانون يُطبّق على الجميع ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها

أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي، إلى أنَّ “قيمة الإنسان ليست بما يقوله عن نفسه، ولا بما يرفعه من شعارات أمام الناس، بل بما تكشفه المواقف حين تتبدل الظروف وتشتد المحن. فكم من إنسان زيّن كلامه بالفضائل، فإذا جاء وقت المواقف غابت أخلاقه! وكم من قليل الكلام كان عظيم الفعل، صادق الموقف، كريم المعدن. إن حقيقة الإنسان لا تظهر في مجالس المجاملة، بل حين يُختبر، وحين يستطيع أن يؤذي فيختار العفو، وأن يظلم فيختار العدل”.

وقال في خطبة الجمعة: “الفعل مرآة القلب، فليس كل من أكثر الكلام عن الطيبة كان طيبًا، ولا كل من رفع شعارات الأخلاق يحملها معه حين يغضب. القلب الطيب يظهر في تصرف صغير، وفي كلمة تُقال في وقتها، وفي موقف تستطيع فيه أن تؤذي فتختار أن تعفو. قال رسول الله ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فسلامة القلب ليست فكرة جميلة نحتفظ بها في الداخل، بل خُلق يراه الناس في الخارج؛ فالكلام يستطيع أن يتجمّل كثيرًا، أما المواقف فتكشف حقيقة الإنسان”.

وتابع: “من هنا، لا ينبغي أن نسأل أنفسنا ماذا قلنا فحسب، بل ماذا فعلنا؟ فالأخلاق ليست أن تكون لطيفًا حين تُلبّى رغباتك، بل أن تحفظ أدبك حين تختلف، وأن تصون لسانك حين تغضب، وأن تنصف من تخاصم. وما أحوجنا إلى أخلاق تصدّقها الأفعال، وإلى صدق يعيد الثقة بين الناس”.

ورأى أن “طوفان الأقصى الذي لم يكن حدثًا عسكريًا عابرًا، بل تحوّل إلى زلزال سياسي وإعلامي وأخلاقي تجاوز حدود فلسطين، وأعاد القضية إلى ضمير العالم. لقد تغيّرت لغة النقاش في الجامعات والبرلمانات ووسائل الإعلام، وأصبحت سياسات الاحتلال موضع مساءلة متزايدة. لقد غيّر الطوفان الوعي العالمي، وما زال مستمرًا في إعادة تشكيل المواقف والأسئلة”.

واعتبر أنّ “من الشواهد اللافتة ما يُتداول عن تصاعد الإنفاق السياسي للوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة؛ إذ يُقال إن 17 مليون دولار كانت كافية سابقًا لمواجهة مجموعة من الخصوم، بينما وصل الإنفاق في إحدى المواجهات الأخيرة إلى 42 مليون دولار ضد مرشح واحد، ومع ذلك لم تتحقق الهزيمة التي أرادوها. وهذه الأرقام تحتاج إلى توثيق دقيق، لكن دلالتها السياسية تستحق التأمل: المال والنفوذ لا يضمنان دائمًا التحكم بإرادة الناس، والوعي حين يتسع يصعب احتواؤه”.

وأردف: “في لبنان، الذي أنهكته الحروب والأزمات، تبقى قضية الأمن والأمان أولوية لا تحتمل المساومة. فالناس تريد أن تعيش في قراها وبلداتها مطمئنة، بعيدًا عن الخوف والاعتداءات والفوضى. والأمن ليس مجرد إجراءات عسكرية، بل دولة تحمي مواطنيها، وقانون يُطبّق على الجميع، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها، وحدود مصانة لا تتحول إلى ممر للفوضى والتهريب”.

وأضاف: “أما العلاقة بين لبنان وسوريا، فلا ينبغي أن تبقى أسيرة جراح الماضي، ولا أن تُدار بمنطق الخوف والاتهامات، بل بعقل الدولة وحسن الجوار والمصالح المشتركة. فالشعبان تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والروابط العائلية والاجتماعية. ومن حق اللبنانيين أن ينعموا بالأمن، ومن حق السوريين أن تُصان كرامتهم، ومن واجب الدولتين التعاون لضبط الحدود، ومنع الاعتداءات والتهريب، ومعالجة الملفات العالقة بالقانون والعدالة والاحترام المتبادل”.

ولفت إلى أنّ “مع إقبال فصل الشتاء بما يحمله من برد ومطر وأعباء معيشية، لا يجوز أن ننسى العائلات المتعففة التي تستقبل الشتاء بقلق، وتكابد تأمين الدفء والغذاء والدواء لأطفالها. فهناك بيوت لا تطلب المساعدة حياءً، وقلوب تصبر بصمت، وأطفال ينتظرون ما يقيهم قسوة البرد. وهنا تظهر حقيقة التكافل والإيمان؛ فليس الخير أن نكتفي بالدعاء للمحتاجين، بل أن نصل إليهم ونحفظ كرامتهم ونمدّ لهم يد العون. قال رسول الله ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». فلنجعل من الشتاء موسم رحمة وتراحم، ولنتفقد جيراننا وأقاربنا، ولنتعاون في تأمين المازوت والبطانيات والغذاء، فدفء البيوت مسؤولية إنسانية وإيمانية مشتركة”.

وختم الرفاعي مؤكدًا “إن الأمم لا تنهض بكثرة الشعارات، كما أن الإنسان لا يرتفع بكثرة الكلام؛ إنما تنهض بالصدق والعمل والعدل والوفاء. فلنبدأ بإصلاح قلوبنا ومواقفنا، ولنحمل همّ أوطاننا وأمتنا دون أن نفقد أخلاقنا. نسأل الله أن يصلح قلوبنا وأعمالنا، ويحفظ لبنان وأهله، ويجنب بلادنا الفتن والحروب، ويفرّج عن أهل غزة وفلسطين، ويحفظ المسجد الأقصى، ويجعلنا ممن إذا قالوا صدقوا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا عملوا أحسنوا”.

Spread the love

Maysaa Haydar