التحايل على قواعد القانون الدولي الإنساني خلال النزاع المسلح في لبنان.

التحايل على قواعد القانون الدولي الإنساني خلال النزاع المسلح في لبنان.

د. مريم عبدالله اسحق.

تمهيد:
مع اندلاع المواجهات المسلحة بين حزب الله وإسرائيل، تدخل العمليات العسكرية في الإطار القانوني الذي ينظمه القانون الدولي الإنساني بوصفها حالة من حالات النزاع المسلح. وتعتبر اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1994 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977؛ واحدة من أهم الآليات القانونية التي تهدف إلى تنظيم وسائل وأساليب القتال والحد من آثار النزاعات المسلحة على المدنيين والأعيان المدنية.
من بين المبادئ الأساسية التي يقوم عليها هذا النظام القانوني هو مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية. فبموجب المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، يتعين على أطراف النزاع التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، بحيث لا يجوز توجيه الهجمات إلا ضد الأهداف العسكرية المشروعة. كما تنص القواعد ذاتها على أن الأعيان المدنية، بما في ذلك المنازل والبنية التحتية المدنية والمرافق العامة، تتمتع بحماية خاصة من الهجمات ما لم تتحول إلى أهداف عسكرية بسبب استخدامها الفعلي في العمليات القتالية.
غير أن التطبيق العملي لهذه القواعد في النزاعات المسلحة، يكشف عن إشكالية قانونية معقدة تتعلق بظاهرة التحايل على قواعد القانون الدولي الإنساني. فالتحايل على القانون هو استخدام وسائل مشروعة في ظاهرها، لكنها تهدف بالحقيقة للالتفاف على قواعد قانونية آمرة، وتجنب تطبيقها الفعلي. إذ تلجأ أطراف النزاع في كثير من الأحيان إلى تفسير أو توظيف القواعد القانونية بطريقة تفرغها من مضمونها الإنساني؛ الأمر الذي يؤدي عملياً إلى تقويض الغاية الأساسية التي وُضع من أجلها هذا النظام القانوني، وهي حماية المدنيين.
إشكالية التحايل على قواعد القانون الدولي الإنساني:
يمثل تداخل المجالين العسكري والمدني واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه تطبيق القانون الدولي الإنساني. ويترتب على ذلك صعوبات كبيرة في تحديد الطبيعة القانونية للأهداف التي يمكن استهدافها عسكرياً. فالقانون الدولي الإنساني يقر بأن الأعيان المدنية قد تفقد حمايتها القانونية إذا تم استخدامها استخداماً فعلياً في العمليات العسكرية، بحيث تصبح أهدافاً عسكرية مشروعة وفق التعريف الوارد في المادة (52) من البروتوكول الإضافي الأول، والتي تنص على أن الهدف العسكري هو كل شيء يسهم مساهمة فعالة في العمل العسكري ويؤدي تدميره إلى تحقيق ميزة عسكرية أكيدة.
إلا أن هذه القاعدة القانونية، على الرغم من وضوحها النظري، تفتح المجال أمام ممارسات يمكن وصفها بالتحايل القانوني. ففي بعض الحالات، قد يقوم أحد أطراف النزاع باستخدام منشآت مدنية أو مناطق مأهولة بالسكان لأغراض عسكرية، سواء عبر تخزين الأسلحة فيها أو استخدامها كمراكز قيادة أو إطلاق عمليات قتالية منها. ومن الناحية القانونية، فإن هذا السلوك يشكل بحد ذاته انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني لأنه يعرّض المدنيين والأعيان المدنية لخطر العمليات العسكرية، ويقوض مبدأ التمييز الذي يشكل حجر الزاوية في هذا النظام القانوني.
في المقابل، قد يلجأ الطرف الآخر إلى تبرير استهداف منشآت مدنية بذريعة أنها تحولت إلى أهداف عسكرية، مستنداً إلى الادعاء بأنها تُستخدم في دعم العمليات القتالية. وهنا تبرز مشكلة قانونية أخرى تتمثل في صعوبة التحقق من الطبيعة الحقيقية لهذه الأهداف، خاصة في ظل بيئة النزاع المعقدة، التي تتسم بتداخل البنى المدنية والعسكرية، فضلاً عن محدودية الوصول إلى المعلومات الموثوقة. وفي هذا الصدد، قد تستخدم بعض أطراف النزاع هذا الغموض القانوني لتوسيع نطاق الأهداف التي تعتبرها مشروعة عسكرياً، الأمر الذي يؤدي عملياً إلى استهداف منشآت مدنية أو بنى تحتية أساسية مثل شبكات الكهرباء والمياه أو المرافق الصحية والتعليمية. ورغم أن القانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً صارمة على استهداف مثل هذه الأعيان، فإن الواقع العملي يظهر أن هذه القيود كثيراً ما يتم تجاوزها أو الالتفاف عليها من خلال تفسيرات موسعة لمفهوم الهدف العسكري.
تزداد هذه الإشكالية تعقيداً عندما يتم استخدام الخطاب القانوني والإعلامي كأداة لتبرير العمليات العسكرية. إذ تسعى الأطراف المتحاربة غالباً إلى تقديم روايات قانونية تبرر أفعالها أمام الرأي العام الدولي، حتى عندما تكون هذه الأفعال محل شك من حيث توافقها مع قواعد القانون الدولي الإنساني. ولذلك، يتحول القانون في بعض الحالات من أداة لحماية المدنيين إلى أداة خطابية تستخدم لإضفاء الشرعية على ممارسات قد تتعارض مع روحه وأهدافه. وبالتالي، فإن محور الإشكالية الرئيسية لا يرتبط بوجود انتهاكات للقانون الدولي الإنساني فقط، بل في محاولات التحايل على قواعده عبر توظيف نصوصه بطريقة انتقائية أو تفسيرها بشكل يتيح الالتفاف على القيود التي يفرضها على العمليات العسكرية.
آلية تفعيل الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني:
إن ظاهرة التحايل على قواعد القانون الدولي الإنساني تمثل تحدياً جوهرياً للنظام القانوني الدولي الذي يسعى إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة على المدنيين. فبينما يضع هذا القانون مجموعة من القواعد الصارمة التي تنظم استخدام القوة العسكرية، فإن فعالية هذه القواعد تعتمد في نهاية المطاف على مدى التزام أطراف النزاع بروحها ومقاصدها الإنسانية، وليس فقط بحرفية نصوصها.
وفي ظل النزاع الحالي الذي يشهده لبنان، والذي يتسم بدرجة عالية من التعقيد والتداخل بين المجالين المدني والعسكري، يصبح من الضروري تعزيز آليات المساءلة الدولية وتكثيف جهود التوثيق والتحقيق المستقل في الانتهاكات المحتملة. كما يتطلب الأمر إعادة التأكيد على أن أي تفسير لقواعد القانون الدولي الإنساني يجب أن يتم في ضوء الهدف الأساسي لهذا القانون، وهو حماية المدنيين وتقليص المعاناة الإنسانية الناتجة عن النزاعات المسلحة.

من هذا المنظور، تبرز الحاجة إلى تطوير آليات رقابية دولية أكثر فعالية لمتابعة مدى التزام أطراف النزاع بقواعد القانون الدولي الإنساني. فمبدأ التمييز، الذي يشكل أحد الركائز الأساسية لاتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية، يفرض على الأطراف المتحاربة التمييز في جميع الأوقات بين الأهداف العسكرية المشروعة والأعيان المدنية. وبناء على ذلك، فإن الحكومة اللبنانية مُطالبة بتكثيف جهودها للتوصل إلى إنشاء آلية رقابية دولية ذات طابع تقني وقانوني، بالاشتراك مع المنظمات الدولية والدول المعنية. بحيث تتولى هذه الآلية متابعة وتقييم مدى احترام هذا المبدأ أثناء العمليات العسكرية، سواء من خلال توثيق الوقائع والتحقق من طبيعة الأهداف المستهدفة أو عبر تقديم تقييمات مستقلة يمكن الاستناد إليها في المساءلة القانونية اللاحقة.
في هذا الصدد، يمكن أن تضطلع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بدور محوري نظراً لوضعها القانوني الخاص بوصفها الجهة المكلفة تقليدياً بحماية القانون الدولي الإنساني وتعزيز احترامه. فبفضل خبرتها الطويلة، وطبيعة عملها القائمة على الحياد والاستقلال، تمتلك اللجنة القدرة على مراقبة تطبيق قواعد التمييز وتقديم التقييمات القانونية والتقنية بشأن مدى توافق العمليات العسكرية مع أحكام القانون الدولي الإنساني. فتطوير مثل هذه الآلية الرقابية، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها من الهيئات الدولية المختصة، قد يشكل خطوة مهمة نحو الحد من إساءة استخدام مفهوم الهدف العسكري وتعزيز حماية المدنيين والأعيان المدنية في النزاعات المسلحة.

Spread the love

adel karroum