بين كسر الجغرافيا وكسر الإرادة: معركة الجنوب في ميزان التصعيد المفتو
مصباح العلي
لم يعد ما يجري في جنوب الليطاني مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّل إلى صراع مركّب على القدرة والاستمرارية والبيئة الحاضنة. في هذا السياق، تتكثف المؤشرات على أن حزب الله لا يزال يحتفظ بقدرة تشغيلية تمكّنه من إيصال السلاح والعتاد والمقاتلين إلى مسرح العمليات، رغم الضغط الناري الهائل. في المقابل، تبدو إسرائيل مصمّمة على كسر هذه المعادلة عبر إعادة تشكيل الجغرافيا بالنار.
الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية تقوم على مبدأ واضح: عزل الجنوب عن عمقه اللبناني. ليس فقط عبر الاستهداف المباشر لخطوط الإمداد، بل من خلال محاولة تفكيك البيئة التي تسمح لهذه الخطوط بالعمل. هنا، لا يعود الهدف تدمير هدف عسكري محدد، بل إعادة تعريف المجال الحيوي للخصم، وتحويله إلى مساحة مكشوفة، منزوعة القدرة على إعادة الإنتاج.
غير أن التجربة، منذ حرب تموز 2006، تشير إلى أن كسر الجغرافيا لا يعني بالضرورة كسر الفاعل. فالتنظيمات التي راكمت خبرة طويلة في العمل تحت الضغط، طوّرت في المقابل شبكات بديلة، مرنة، وغير تقليدية، تجعل من فكرة العزل الكامل أقرب إلى هدف نظري منه إلى واقع قابل للتحقق.
في المقابل، يتدرج التصعيد الإسرائيلي ضمن مسار واضح المعالم:
المرحلة الأولى: تكثيف النيران واستنزاف القدرات الميدانية.
المرحلة الثانية: استهداف البنى الداعمة، بما فيها تلك ذات الطابع المدني التي يُشتبه بارتباطها الوظيفي بالمجهود العسكري.
المرحلة الثالثة: توسيع بنك الأهداف ليشمل القيادات غير العسكرية، في محاولة لضرب منظومة القرار والتأثير.
هذا التدرج يكشف أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على بنية التنظيم ككل: عسكرياً، سياسياً، وإعلامياً. وهنا يكمن التحول الأخطر، إذ إن الانتقال إلى استهداف شخصيات سياسية وإعلامية يفتح الباب أمام إعادة تعريف قواعد الاشتباك، ويدفع الصراع نحو مستويات أكثر تعقيداً.
أما ما يُتداول حول احتمال بلوغ مرحلة استهداف المستشفيات، فيبقى ضمن إطار المخاوف المرتبطة بتوسّع مفهوم “الهدف المشروع”. صحيح أن الجيش الإسرائيلي يسعى إلى توسيع هامش عمله العملياتي، لكن أي انزلاق واسع في هذا الاتجاه سيحمل كلفة دولية مرتفعة، وقد يعيد خلط الأوراق سياسياً بشكل لا يخدم أهدافه الاستراتيجية.
في العمق، نحن أمام معادلة صلبة:
إسرائيل تحاول فرض معادلة الحسم بالنار والعزل الجغرافي.
حزب الله يسعى إلى تثبيت معادلة الصمود والاستمرارية العملياتية.
وبين المعادلتين، يتحدد مسار المرحلة المقبلة. فإذا نجحت إسرائيل في تضييق هامش الحركة إلى حدّ الاختناق، فقد تفرض واقعاً ميدانياً جديداً. أما إذا استمر الحزب في كسر الطوق والحفاظ على تدفق موارده، فإن استراتيجية العزل ستتحول إلى استنزاف مفتوح بلا أفق حاسم.
الخلاصة أن الجنوب يقف اليوم على حافة تحول استراتيجي:
إما انتقال إلى مرحلة الحسم المتدرج،
أو الغرق في حرب استنزاف طويلة، حيث لا منتصر واضح، بل تآكل بطيء في القوة والإرادة.
وفي الحروب من هذا النوع، لا تكون الجغرافيا وحدها هي الميدان… بل الزمن أيضاً.
