حرب إيران تدخل أخطر مراحلها.. فهل يحسم الاقتصاد مسار المفاوضات؟
بعد نحو 70 يوماً من الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، تقترب واشنطن وطهران من تسوية عبر مذكرة تفاهم تتضمن 14 بنداً. إيران تواجه انهيار اقتصادها واحتجاجات داخلية، بينما ترامب يعاني من ضغوط سياسية واقتصادية بسبب ارتفاع أسعار البنزين والتضخم. المذكرة تشمل وقف الأعمال القتالية وتجميد تخصيب اليورانيوم، لكنها لا تتناول برنامج الصواريخ الباليستية أو دعم إيران لوكلائها الإقليميين.
بعد نحو 70 يوماً على الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، بات الطرفان أقرب من أي وقت مضى لإنهاء الحرب. ليس بسبب الضغط العسكري وحده، أو بناء التحالفات في ضواحي لندن، أو العمليات البحرية في المضيق، بل بسبب ورقة واحدة تتضمن 14 بنداً فقط، وضغوط اقتصادية هائلة تجبر الطرفين على الجلوس ومحاولة التوصل لتسوية.
فمذكرة التفاهم المتداولة حالياً بين واشنطن وطهران -والتي أكدها الجانبان الأميركي والإيراني- تُعدّ الوثيقة الدبلوماسية الأهم في هذه الأزمة.
ورغم أنه حتى الآن لم يتم التوصل لاتفاق نهائي، إلا أن مصادر قريبة من الوساطة استخدمت تعبيرات لم تُسمع سابقاً خلال هذا الصراع، مثل: “سننهي هذا قريباً جداً.. نحن نقترب”، وكان ذلك كفيلاً بإشعال موجة تفاؤل واسعة في الأسواق خلال الساعات الماضية، دفعت النفط للتراجع الحاد وأعادت بعض الرهانات على إمكانية تفادي جولة حرب جديدة، وذلك قبل أن تنقلب الصورة مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز.
ورغم عودة التوتر إلا أن التصريحات تشير إلى رغبة في تهدئة الأوضاع، إذ أشارت القوات الأميركية إلى أن الضربات التي نفذتها ضد منشآت إيرانية يوم الجمعة لا تعني استئناف الحرب. ولكن.. هناك سؤال أكثر تعقيداً: هل يتفاوض الطرفان فعلاً لأنهما اقتربا من السلام؟ أم لأن كلفة استمرار حرب إيران أصبحت أعلى من قدرة كل طرف على تحملها؟
تكلفة الحرب.. طهران تفاوض وهي تنزف
فطهران تدخل هذه المفاوضات وسط اقتصاد ينهار، وعملة تتهاوى، وبنية تحتية متضررة، واحتجاجات داخلية صامتة، بينما يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حرباً بدأت تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي وانتخابي داخل الولايات المتحدة، مع قفزة أسعار البنزين وتجاوزها مستوى 4.50 دولار للغالون للمرة الأولى منذ يوليو 2022، وعودة التضخم، واهتزاز ثقة المستهلكين، وتزايد غضب الناخب الأميركي.
فلم تدخل إيران هذه المفاوضات من موقع المنتصر، حتى وإن حاول خطابها الرسمي إظهار الصمود. فالحرب ضربت الاقتصاد الإيراني في لحظة كان يعاني فيها أصلاً من عقوبات خانقة، وتضخم مرتفع، وعملة متراجعة بصورة حادة.
إريك لوب، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة فلوريدا، يقول إن الضربات الأميركية والإسرائيلية “تسببت في أضرار بعشرات المليارات من الدولارات للبنية التحتية العسكرية والمدنية الإيرانية”، مضيفاً أن الحرب تكلف طهران حالياً ما بين 400 و500 مليون دولار يومياً نتيجة التجارة المفقودة وتراجع صادرات الطاقة.
لكن المشكلة بالنسبة لإيران لا تتعلق فقط بحجم الخسائر الحالية، بل بطبيعتها أيضاً.
فالنفط الإيراني أصبح عملياً “مطارداً” في الأسواق، بينما يعتمد جزء كبير من الصادرات على ناقلات الظل والمسارات البديلة.
وفي الداخل، تبدو الأزمة أكثر وضوحاً في انهيار الريال الإيراني، الذي يُتداول حالياً قرب أدنى مستوياته التاريخية في السوق الحرة، مع تراوح سعر الدولار بين نحو 1.75 مليون و1.81 مليون ريال إيراني، وفق منصات تتبع أسعار الصرف والتقارير المحلية الإيرانية. إضافة إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والسلع الأساسية، وسط ضغوط معيشية متزايدة على المواطنين، وغضب قد يدفع الشارع الإيراني للخروج مجدداً والمطالبة بإسقاط النظام مثلما حدث قبل الحرب مباشرة في المظاهرات التي قادها البازار الكبير وكان السبب الرئيسي فيها هو تدهور سعر الريال.ويشير لوب إلى أن إيران كانت تواجه بالفعل “تدهوراً قياسياً في قيمة عملتها قبل الحرب”، لكن الصراع سرّع هذا الانهيار بصورة أكبر، ما دفع التضخم لمستويات أكثر خطورة وأعاد الضغوط الاجتماعية إلى الواجهة.
لكن الأزمة الإيرانية ليست اقتصادية فقط، بل سياسية وأمنية أيضاً.
فالمرشد الجديد مجتبى خامنئي يقود البلاد في مرحلة معقدة، فيما لا يزال الحرس الثوري يحتفظ بالنفوذ الأكبر على البرنامج النووي والقوات الصاروخية والعمليات البحرية في مضيق هرمز. وهنا تحديداً تكمن إحدى أخطر العقد في المفاوضات الحالية.
فالوثيقة المتداولة تتضمن تجميد تخصيب اليورانيوم لفترة يجري التفاوض حولها حالياً، مع بحث إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من إيران بالكامل، وهي النقطة التي يراها متشددون داخل الحرس الثوري تهديداً مباشراً لأهم ورقة ردع تمتلكها البلاد.
ويبدو هذا القلق مفهوماً إذا ما نظرنا إلى توصيف لوب نفسه للحرب، إذ يقول إن الصراع “اختبار للإرادة السياسية”، مضيفاً أن هدف إيران في النهاية هو “بقاء النظام بأي ثمن”.
ولهذا، لا تبدو طهران مستعدة للتخلي الكامل عن مشروعها النووي، حتى وهي تدخل واحدة من أصعب أزماتها الاقتصادية منذ سنوات.
ومع ارتفاع أسعار الطاقة، بدأت الضغوط تمتد إلى سوق الإسكان وأسعار الفائدة والرهن العقاري، وهو ما يضغط مباشرة على الناخب الأميركي، خصوصاً الشباب الذين لعبوا دوراً مهماً في عودة ترمب إلى السلطة.
ويضيف بيلت أن الجمهوريين قد يواجهون “فترة صعبة للغاية” في انتخابات التجديد النصفي، مشيراً إلى المقولة الأميركية الشهيرة: “أسعار البنزين ترتفع كالصاروخ وتنخفض كالريشة العربي
