العفو العام في لبنان:تلبية لمتطلبات التوازن الطائفي الداخلي ومتطلبات التحولات الإقليمية:

العفو العام في لبنان:تلبية لمتطلبات التوازن الطائفي الداخلي ومتطلبات التحولات الإقليمية:

د. مريم عبدالله اسحق

في لبنان تحديداً، لا يمكن فهم القانون باعتباره منظومة معيارية محايدة بالكامل، بل كجزء من الحفاظ على التوازنات السياسية والطائفية التي تتداخل فيها العدالة مع اعتبارات الاستقرار والتسوية. وضمن هذا الإطار، يحظى العفو العام ببعد أعمق، يتجاوز كونه إجراء قانوني، ليتحول ربما إلى أداة لإعادة توزيع الشرعية بين الدولة والمكونات الاجتماعية الرئيسية، وأداة لإعادة ضبط العلاقة بين مفهوم العدالة ومفهوم التوازن في نظام قائم على المحاصصة السياسية.
وفق هذا المنظور، لا يمكن ربط العفو العام بغاية معالجة التراكمات القضائية أو تخفيف الاكتظاظ في السجون، بل يدخل ضمن آلية أوسع لإعادة إنتاج التوافق الوطني عبر إعادة تعريف من يستحق العقاب ومن يستحق الاستيعاب داخل البنية السياسية. وبالتالي، فإن هذا المشروع يحمل في طياته شحنة سياسية كامنة، فبينما يُفترض أن يسهم العفو في إعادة دمج فئات اجتماعية داخل المجتمع، إلا أن بعض المكوّنات الاجتماعية والطائفية قرأته على أنه إعادة توزيع غير متكافئ للعدالة، خصوصاً أنه ارتبط بملفات أمنية وصراعات سياسية سابقة. وهو ما أدى لعودة الخلافات السياسية التي لطالما أنتجت سرديات متناقضة حول قيمة العدالة داخل بنية النظام السياسي اللبناني نفسه.
الدينامية السابقة ليست جديدة، فهي مرتبطة بطبيعة التكوين السياسي للنظام اللبناني، ولكن مشروع العفو العام بذاته في هذه المرة يحمل بعداً يتجاوز الإطار الداخلي اللبناني ليرتبط ربما بالتغيرات الإقليمية. وفي هذا الصدد، يمكن قراءة مشروع العفو العام بوصفه تعبيراً عن تفاعل معقّد بين التحولات الداخلية في بنية الدولة اللبنانية وبين تغيرات البيئة الإقليمية.
فيما يتعلق بملف الموقوفين الإسلاميين، يكشف النقاش الدائر حول العفو عن إشكالية أعمق تتصل بكيفية تعريف الدولة لهؤلاء الأفراد: هل يُنظر إليهم بوصفهم خارجين عن النظام القانوني اللبناني وارتكبوا أفعالاً جرمية تستوجب العقاب وفق القانون الجزائي، أم بوصفهم نتاجاً لمسار إقليمي أمني طويل ومعقد تشكل خلاله العنف المسلح كجزء من ديناميات الحرب الإقليمية وتداعياتها العابرة للحدود؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تعكس انتقالاً تدريجياً في طريقة مقاربة الدولة لمفهوم الإرهاب والجريمة التي تمس بالأمن، من كونها أفعالاً فردية إلى كونها نتاجاً لبيئة سياسية وأمنية أوسع. ومن هذا المنظور، قد يصبح العفو العام أداة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية وبعض التيارات الإسلامية أو المحسوبة على بيئاتها الاجتماعية. فالسؤال لم يعد فقط كيف تعاقب الدولة هؤلاء، بل كيف تعيد إدماجهم أو احتواءهم ضمن معادلة الاستقرار الداخلي في ظل تغيرات إقليمية قد تعيد تشكيل موازين القوى وحدود النفوذ. وهنا يظهر العفو كآلية لإعادة تعريف حدود الخارج والداخل داخل النظام السياسي والأمني اللبناني، وليس فقط كإجراء قانوني.
على مستوى تعريف الإرهاب، فإن الإشكالية لا تكمن في النصوص القانونية بحد ذاتها، بل في كيفية تفعيلها ضمن سياق سياسي متغير. فالقانون اللبناني ما زال يمتلك إطاراً عاماً لتعريف الجرائم الإرهابية ومحاكمتها، إلا أن تطبيق هذا الإطار يتأثر بدرجة عالية بالتوازنات السياسية الداخلية وبالتحولات الإقليمية. وفي هذا الإطار، لا يمكن القول إن سقوط نظام الأسد في سوريا يؤدي إلى تغيير مباشر في التعريف القانوني للإرهاب، لكنه قد يؤثر على الكثير من المفاهيم التي تُبنى عليها الأولويات الأمنية، وعلى طريقة تصنيف بعض الأشخاص من حيث الخطورة أو قابلية إعادة الإدماج.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن هوية العفو العام في لبنان هي هوية قضائية فقط، بل تبرز من خلاله الرغبة لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة ومحيطها الاجتماعي والسياسي في ظل بيئة إقليمية متحولة، وهو يعكس تداخلاً بين القانون والسياسة والأمن، حيث لم تعد الدولة تتحكم حصرياً في تعريف الجريمة والتهديد، بل باتت هذه التعريفات تخضع لتفاعل مستمر بين الواقع الداخلي والتحولات الإقليمية، وهو ما سيؤثر على قيمة العدالة بنفسها التي يجب أن تبقى مجرّدة عن أية اعتبارات سياسية.

Spread the love

Maysaa Haydar