إلى عبد المنعم يوسف،

إلى عبد المنعم يوسف،

كنا قد عاهدنا أنفسنا ألا نرد على الإساءة، لأننا نؤمن أن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج، وأن الكلمة الرصينة أبقى من السجال. لكن ما كتبته هذه المرة لم يكن مجرد رأي سياسي نختلف معه، بل كان مزيجاً من الكذب والتلفيق والشتيمة واستغلال اسمينا في غير موضعهما، وتبريراً لخطاب لا يليق بالمجلس النيابي ولا بالحياة السياسية. لذلك وجدنا أنفسنا مضطرين إلى الرد، لا دفاعاً عن أشخاص، بل دفاعاً عن الحقيقة التي حاولت تزويرها.
ويبدو أن الظلم الذي مررت به حيث وقفنا إلى جانبك قد أعمى بصيرتك عن رؤية الحقيقة
أولاً، تدّعي أن طرابلس “تخجل” من النائب سامي الجميّل. ولو كان هذا القول يخصك وحدك لما استحق الرد، لكنه جاء على لسان مدينة لم تستأذنها لتتحدث باسمها. فمن خوّلك أن تنطق باسم طرابلس، وأن تنسب إليها موقفاً لم تتخذه؟
لا احد!

إن طرابلس التي استقبلت النائب سامي الجميّل بالمحبة والترحيب في كل زيارة، عائلية كانت أم سياسية، تعرفه كما يعرفها، ويعرف القاصي والداني عمق الروابط التي تجمعه بأهلها. وقد حمل همومها، ودافع عن مظلوميتها، ورفع صوتها في كل مناسبة، حتى أصبح واحداً من أكثر المتضامنين مع قضيتها وحقوق أهلها.

أما سياسياً، فإن طرابلس قالت كلمتها منذ زمن. فهي المدينة التي دفعت أثماناً باهظة بسبب مشروع الممانعة؛ ففُجّرت مساجدها، وسقط أبناؤها الأبرياء، وحُرمت فرص الازدهار والاستثمار والإنماء. ولذلك اختارت، برجالها ونسائها، أن ترفض هذا النهج رفضاً قاطعاً، وأن تنحاز إلى مشروع الدولة والسيادة، لا إلى المشروع الذي ما زلت تدافع عنه انت ومن تدافع عنه. وهي لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها، لأنها تعرف جيداً من وقف معها، ومن استثمر آلامها.

ثانياً، إن وصف نائب منتخب بإرادة اللبنانيين، يتصدر التمثيل الشعبي في المتن، وينتمي إلى إحدى أعرق العائلات السياسية في لبنان، بعبارة “المراهق”، ليس نقداً سياسياً، بل إساءة تفتقر إلى الحد الأدنى من النضج.

والمؤسف أنك لم تكتفِ بالإساءة إليه، بل فعلت ذلك تودداً لنائبٍ لم يجد في قاموسه السياسي إلا الشتيمة والألفاظ النابية داخل المجلس النيابي. فبدلاً من إدانة هذا الانحدار غير المسبوق في الخطاب البرلماني، اخترت مهاجمة من مارس حقه الدستوري في الرقابة والمساءلة، ومنحت غطاءً سياسياً وأخلاقياً لمن استباح حرمة الندوة البرلمانية بالكلام البذيء. ولو اطّلعت على حقيقة ما جرى لما كتبت ما كتبت.

ثالثاً، المؤلم في ما كتبته ليس اختلافك السياسي، فهذا حقك، بل أنك اخترت أن تبرر انحدار الخطاب داخل المجلس النيابي. فالبرلمان ليس مكاناً لتبادل الشتائم ولا لتصفية الحسابات، بل هو المؤسسة التي يفترض أن تكون المثال الأعلى في احترام الرأي والرأي الآخر. وحين تصبح الألفاظ السوقية وسيلةً للعمل السياسي، فإن الخاسر ليس نائباً أو حزباً، بل حرمة مجلس النواب نفسه.

وكان الأولى بكل من يحترم المؤسسات أن يدين هذا السلوك، لا أن يبحث له عن الأعذار، وأن ينتقد بالحجة والبرهان، لا أن يقف إلى جانب من ردّ على المساءلة القانونية بالكلمة البذيئة.

رابعاً، وهنا نصل إلى أكثر ما آلمنا.

وأكثر ما آلمنا أن تستعمل اسمينا، وحياتنا الشخصية، وعلاقتنا بعائلتنا، مادةً لتجميل خطابك، وأن تنسب إلينا مواقف ومشاعر لم نعبر عنها يوماً.

من أين أتيت بكلمة “الاستياء”؟ ومتى كان موقفنا مخالفاً لمواقف النائب سامي الجميّل؟ ومتى عبّرنا عن أي استياء من أدائه؟ ومن أين اخترعت “التضامن” و”المواساة”؟

لقد اختلقت موقفاً كاملاً، ثم بنيت عليه خطابك، وهذا ليس رأياً سياسياً، بل تلفيقاً لا يليق بمن يدّعي احترام الحقيقة.

أما حديثك عن “التضامن”، فهو تضامن زائف نرفضه جملةً وتفصيلاً. فلم نرَ يوماً في أداء النائب سامي الجميّل إلا ما يستحق التقدير والاحترام. ونحن نعتز بمواقفه الوطنية، وبنزاهته، وأخلاقه، وثباته في الدفاع عن سيادة لبنان، ولذلك نطلب منك أن ترفع عنا هذا التضامن المزعوم، لأنه لا يمثلنا، ولم نطلبه يوماً.

خامساً، ولنكن واضحين تماماً في ما يتعلق بـ”العلاقة” التي تتحدث عنها.

لقد كانت صدمتنا كبيرة حين وجدناك توظف أسماءنا، وحياتنا الشخصية، وعلاقتنا بعائلتنا، في خدمة حسابات شخصية، وتملق سياسي رخيص، وأحقاد لا مبرر لها.

ولذلك نعترف اليوم، بكل أسف، بأن معرفتنا بك كانت سوء تقدير منا لشخصك، وقد كشفت أنت بنفسك، وبقلمك، حقيقة ما كنت تحاول إخفاءه.

وأخيراً، من أراد أن ينتقد النائب سامي الجميّل، فليفعل ذلك بالحجة والوقائع، ومن خلال العمل السياسي المسؤول، لا بالشتائم المقنعة بعبارات “التضامن” و”الأسى”، ولا بالكذب، ولا باستغلال أسماء الآخرين لخدمة مصالحه.

لقد خسر خطابك مرتين: خسر الحقيقة حين لجأ إلى الكذب والتلفيق، وخسر الأخلاق حين فضّل التملق على المبدأ، والدفاع عن البذاءة على الدفاع عن هيبة المجلس النيابي.

أما نحن، فسنظل حيث كنا دائماً: مع الحقيقة، ومع الدولة، ومع سيادة لبنان، ومع طرابلس التي لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها، لأنها تعرف جيداً من وقف معها، ومن استثمر آلامها، ومن لا يزال يدافع عن المشروع الذي رفضته بإرادتها الحرة.

د.رشيد تدمري
د.جمانة شهال تدمري

Spread the love

Maysaa Haydar