حين كان التفاح يحمل معنى …
مصباح العلي
ربما لا ندرك، ونحن نعيش الأشياء للمرة الأولى، أنها ستتحول يومًا إلى ذاكرة. لا نعرف أن رائحة عابرة قد تصبح، بعد عقود، أكثر حضورًا من وجهٍ أو صورة، وأن غرفة صغيرة في بيت قديم يمكن أن تختزن من العمر ما لا تختزنه مدن كاملة. هكذا بقيت الغرفة الوسطى في بيت جدي تسكنني، رغم أن نصف قرن مضى منذ كنت أراها بعين طفل لا يعرف أن للأماكن أعمارًا، وأن للبيوت أرواحًا تموت ببطء حين يغادرها أهلها.
كان بيت جدي، بحسب لغة الأوراق والسجلات، مجرد «خِرْبة مع فسحة سماوية». هكذا تختصر الأوراق حياةً كاملة في بضعة أحرف؛ اسمٌ بارد لا يعرف شيئًا عن أصوات الذين عبروا عتبته، ولا عن تعب الأيدي التي فتحت أبوابه، ولا عن رائحة الخبز والفاكهة والتراب المبلل. الأوراق لا ترى إلا الملكية والمساحة والحدود، أما الذاكرة فترى ما لا تستطيع الأوراق إثباته.
في ذلك البيت كانت هناك غرفة في الوسط، بين فسحة الدرج الصاعد نحو السطح، وعريشة العتب، وغرفة النوم الأساسية. لم تكن الغرفة الأوسع، ولا الأجمل، وربما لم تكن تستحق، في نظر عابر، أن تُروى عنها حكاية. لكنها بالنسبة إليّ كانت قلب البيت. غرفة المعيشة التي تتجمع فيها الأشياء كما تتجمع سنوات الإنسان في داخله؛ لا شيء فيها زائد، ولا شيء فيها بلا معنى.
في صدر الغرفة كانت «النملية»، وعلى جنباتها صناديق الخشب. تلك الصناديق لم تكن مجرد أوعية لحفظ الفاكهة؛ كانت أشبه بخزائن صغيرة تختزن تعب الموسم كله. كان جدي، المثقل بسنوات العمر وشقاء الأرض، يعود من الحقول بخيراته، فيقطف ما أعطته الأرض، ثم يضعه في الصناديق كما لو أنه يضع فيها شيئًا من عمره.
إجاص، وعنب، وتفاح…
كان لكل ثمرة موسمها، ولكل موسم رجاؤه. لكن التفاح كان مختلفًا. كان يبقى أطول، وتبقى رائحته أطول. كأن الثمرة، بعد أن تُقطف من الشجرة، ترفض أن تنتهي علاقتها بالأرض، فتواصل حضورها في الغرفة، وتملأ الهواء بشيء من الحقل.
كنت أظن آنذاك أن رائحة التفاح جزء من طبيعة البيت، مثل الحجارة والخشب والدرج والسطح. لم أكن أعرف أن الإنسان لا يعيش في الأمكنة فقط، بل يعيش في تفاصيلها الصغيرة؛ في رائحة، في ضوء يتسلل من نافذة، في صوت باب يُفتح، أو في صندوق خشبي موضوع في زاوية الغرفة.
بعد خمسين عامًا، أفهم الأمر بصورة مختلفة.
أفهم أن الحنين ليس اشتياقًا إلى المكان بقدر ما هو اشتياق إلى الإنسان الذي كنّاه ونحن فيه. نحن لا نبكي الجدران لأنها رحلت، بل لأن نسخةً منا كانت تسكن بينها ولم يعد في وسعنا الوصول إليها. ولعل أقسى ما في الزمن أنه لا يأخذ الأشياء وحدها؛ يأخذ معها الطريقة التي كنا نراها بها.
اليوم، قد أستطيع أن أجد بيتًا أجمل، وغرفةً أوسع، وربما تفاحًا أكثر نضجًا وحلاوة. لكنني لن أجد ذلك التفاح الذي كانت رائحته تفوح من الغرفة الوسطى طوال العام. لأن ما أفتقده لم يكن تفاحًا في الحقيقة، بل زمنًا كان التفاح فيه يحمل معنى.
كان الموسم موعدًا منتظرًا.
لم تكن الأرض تعطي بلا حساب، وكان جدي يعرف ذلك أكثر من الجميع. موسمٌ قد يفي بالمصاريف، وقد يسدد بعضًا من الديون، وقد لا يفعل. وكانت الديون، مثلها مثل الأعوام، تتراكم بصمت، حتى يصبح الموسم الجديد محمّلًا بأعباء الموسم القديم. ومع ذلك كان هناك دائمًا شيء يشبه الأمل؛ شجرة تُزهر، ثمرة تكبر، موسم يقترب.
ربما هذه هي فلسفة الأرض التي لم نتعلمها من الكتب: أن الإنسان يعيش بين الرجاء والاحتمال. يزرع وهو لا يملك ضمانة الحصاد، ويتعب وهو لا يعرف إن كان التعب سيكفي، ويبدأ موسمًا جديدًا قبل أن ينتهي من حسابات الموسم السابق. ومع ذلك يواصل.
كان جدي يفعل ذلك دون أن يسميه فلسفة. كانت يداه تعرفان ما لا تعرفه الكلمات. كان يعرف أن الحياة ليست في أن تضمن النتيجة، بل في أن تضع بذرتك في الأرض رغم كل شيء.
ولعلني، بعد خمسين عامًا، صرت أرى في صناديق الخشب أكثر مما كنت أرى فيها وأنا طفل. أراها الآن كأنها صورة مصغرة عن حياتنا: نضع فيها ما نملك، نغلقها، وننتظر. بعض ما نخزنه يبقى، وبعضه يفسد، وبعضه يتحول إلى شيء آخر. وفي النهاية، لا يبقى من كل ما جمعناه إلا أثرٌ خفيف، كرائحة تفاح عالقة في غرفة قديمة.
الغريب أن الذاكرة تفعل الشيء نفسه.
إنها لا تحفظ حياتنا كاملة، بل تنتقي منها ما تشاء. تنسى تفاصيل كثيرة، ثم تتمسك برائحة. تنسى تواريخ وأسماء، ثم تستعيد فجأة صوتًا بعيدًا أو ملمس صندوق خشبي أو ضوءًا على أرض الغرفة. كأن الذاكرة لا تعترف بمنطقنا نحن، بل بمنطقها الخاص؛ تختار ما يستحق البقاء، حتى لو بدا لنا تافهًا.
ولهذا، حين أعود اليوم إلى بيت جدي في مخيلتي، لا أبحث عن شكله كما كان، ولا عن عدد غرفه، ولا عن تفاصيله المعمارية. أبحث عن تلك الغرفة الوسطى.
أدخلها كما يدخل المرء إلى زمنه الأول.
أرى النملية في صدرها، وصناديق الخشب عند جنباتها، وأرى جدي منحنيًا فوق خيرات الأرض، وأكاد أشم رائحة التفاح من جديد.
وحين تصل الرائحة إليّ، أفهم أن المسافة بين الأمس واليوم ليست خمسين عامًا كما كنت أظن. إنها لحظة واحدة فقط؛ لحظة تستعيد فيها الذاكرة حاسةً قديمة، فينهار الزمن كله.
ربما لهذا السبب لا نموت تمامًا حين يغادرنا أهلنا وأماكننا. شيء منهم يبقى فينا، لا على هيئة صورة أو حكاية، بل على هيئة إحساس لا نعرف مصدره. قد تكون رائحة تفاح، أو خشخشة صندوق خشبي، أو ضوءًا ساقطًا من فسحة سماوية.
وفي النهاية، ربما لا يكون الحنين رغبة في العودة إلى الماضي، لأن الماضي لا يعود. الحنين هو اعترافنا بأن بعض الأشياء كانت أجمل لأنها لن تتكرر.
وما زلت، بعد خمسين عامًا، أحنّ إلى رائحة التفاح في الغرفة الوسطى.
ليس لأن التفاح كان أطيب…
بل لأنني، في تلك الغرفة، كنت أنا أيضًا في موسمٍ آخر من العمر.
وكانت الحياة، يومها، لا تزال شجرةً مفتوحة الاحتمالات؛ تُزهر، وتثمر، وتعدنا بموسمٍ قادم.
أما الآن، فلم يبقَ من ذلك الموسم إلا رائحة…
ورائحة التفاح، حين تعود، تحمل معها بيت جدي كله.
