إضاءات حول ما يجب إيضاحه الى الرأي العام
الدكتور صبحي حسين عبد الوهاب الهندي
في ظل تعدد المشاريع والمبادرات التي تطلقها غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس ولبنان الشمالي، تبرز أهمية إطلاع الرأي العام على أهداف هذه المشاريع وأبعادها الاقتصادية والتنموية، وما تسعى الغرفة إلى تحقيقه من خلال دورها في دعم القطاع الخاص، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وفتح آفاق جديدة أمام لبنان من طرابلس الكبرى. ومن هنا ومن خلال هذه الخيارات تأتي هذه الإضاءات لتوضيح الرؤية، وتصويب بعض الالتباسات، ووضع هذه المبادرات في سياقها الوطني والتنموي.
ومن حقّ أي جهة أو مواطن أن يسأل عن جدوى المشاريع التي تطرحها غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس ولبنان الشمالي، ومن حق الجميع أيضاً أن يناقشها وينتقدها ويقترح تطويرها. لكن من الإنصاف أن يتم الحكم عليها من خلال أهدافها ومضامينها وآثارها المتوقعة، لا من خلال الأهواء أو التأويل أو التجاذب.
إن المشاريع التي تطرحها غرفة طرابلس الكبرى لا تنطلق من رغبة في تسجيل إنجازات أو احتكار القرار الاقتصادي، بل من رؤية تعتبر أن طرابلس والشمال يمتلكان مقومات استراتيجية قادرة، إذا جرى استثمارها بصورة متكاملة، على أن تشكّل رافعة للاقتصاد اللبناني كله.
وعلى سبيل الإيضاح فإن فكرة المنظومة الوطنية الاقتصادية المتكاملة تقوم على الربط بين المرفأ، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، ومعرض رشيد كرامي الدولي، ومطار الرئيس رينيه معوض ـ القليعات، وسائر القطاعات الإنتاجية والخدماتية، بهدف تحويل هذه المقومات المتفرقة إلى منظومة اقتصادية ولوجستية مترابطة وقادرة على استقطاب الاستثمارات وخلق فرص العمل. والأهم هو وضع لبنان على خرطة إقتصادات العالم المعاصر من منطقة شرق المتوسط.
والأهم أن هذه الرؤية لا ينبغي أن تكون ملكاً لغرفة أو مؤسسة أو شخص. إذا كانت طرابلس تمتلك هذه المقومات، فهي ملك للمدينة وللشمال وللبنان. وغرفة طرابلس الكبرى ، باعتبارها مؤسسة تمثل مجتمع الأعمال، تستطيع أن تقترح وتبادر وتجمع القطاع الخاص حول مشاريع، لكن نجاح أي مشروع وطني يحتاج إلى الدولة بكل وزاراتها ومؤسساتها واداراتها والبلديات والمؤسسات العامة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمجتمع الدولي، كلٌّ من موقعه.
لذلك، فإن الموقف الأخلاقي السليم هو أن نختلف في الوسائل من دون أن نختلف على الغاية: تنمية طرابلس، تعزيز اقتصاد الشمال، توفير فرص العمل، استقطاب الاستثمار، حماية الإنتاج الوطني، وربط المدينة بمحيطها اللبناني والعربي والدولي.
وغرفة طرابلس الكبرى لا تقول إن كل مشروع قابل للتنفيذ فوراً، ولا إن الطريق خالٍ من التحديات؛ بل إن القيمة الحقيقية لأي رؤية تكمن في تحويل الأفكار إلى دراسات قابلة للنقاش، وشراكات قابلة للتنفيذ، ومشاريع تخضع للشفافية والمساءلة والجدوى الاقتصادية.
إننا في لبنان عموماً وفي طرابلس خصوصاً لا نحتاج إلى مزيد من السجالات حول من هو صاحب الفكرة، بل إلى تعاون حول كيف تتحول الأفكار إلى نتائج.
والغاية النهائية ليست أن تنتصر مشاريع غرفة طرابلس الكبرى، بل أن تنتصر طرابلس اقتصادياً وإنمائياً، وأن يستفيد لبنان كله من موقعها وإمكاناتها.
والمقصود من تعبير «طرابلس الكبرى» ليس السعي في اي حال من الأحوال إنشاء كيان إداري جديد، ولا تغيير الحدود الجغرافية أو الصلاحيات القانونية للبلديات، ولا إلغاء خصوصية أي منطقة أو مدينة أو بلدة في لبنان الشمالي.
و “طرابلس الكبرى” هي مفهوم تنموي واقتصادي وجغرافي متكامل ينظر إلى مدينة طرابلس ومحيطها باعتبارهما مجالاً اقتصادياً واجتماعياً مترابطاً بما يسمح بتكوين كتلة اقتصادية قادرة على المنافسة واستقطاب الاستثمارات.
فطرابلس الكبرى ، في هذا المفهوم، ليست مدينة تعمل بمعزل عن جوارها، كما أن مناطق الشمال ليست جزراً منفصلة اقتصادياً. فالمدينة هي مركز حضري وتجاري وخدماتي، بينما يشكل محيطها امتداداً طبيعياً في الإنتاج والزراعة والصناعة والسياحة والخدمات والموارد البشرية. ومن هنا تأتي أهمية التكامل لا التوسع، والشراكة لا الهيمنة، وتوزيع الفرص لا احتكارها.
لذلك، عندما نتحدث عن “طرابلس الكبرى”، فنحن نتحدث عن طرابلس كعاصمة اقتصادية وتنموية ضمن شراكة متكاملة مع محيطها.
إنها رؤية تقوم على أن قوة طرابلس من قوة محيطها، وقوة محيطها من قوة طرابلس؛ وأن التنمية الحقيقية لا تُبنى بالفصل بين المناطق، بل بربط قدراتها ومصالحها في منظومة واحدة، مع احترام كامل للخصوصيات الإدارية والاجتماعية والثقافية لكل منطقة.
