العفو العام في لبنان: «قانون الممكن» أم «بازار سياسي»؟

العفو العام في لبنان: «قانون الممكن» أم «بازار سياسي»؟

نِعْمَت كَرُّوم

جاء قانون العفو العام إلى مجلس النواب من باب أزمة السجون: اكتظاظ، وموقوفون أمضى بعضهم سنوات من دون محاكمة، وملفات قضائية تراكمت حتى أصبح العفو أحد المخارج المطروحة. لكنه، خلال مساره النيابي، تجاوز هذه الأزمة إلى ملفات سياسية وطائفية ظلت عالقة لسنوات، قبل أن يقرّه مجلس النواب في 12 آب/أغسطس 2026، بعد نحو 35 عامًا على قانون العفو العام الأخير عام 1991.
ليس العفو جديدًا على لبنان؛ فقد عرف منذ الاستقلال 16 قانونًا للعفو العام، ارتبطت بمراحل من الحرب والتسويات السياسية والسلم الأهلي. لكن القانون الحالي يكتسب خصوصيته من الملفات التي اجتمعت فيه، ومن الجمع بين إسقاط العقوبات وتخفيضها ومعالجة أوضاع موقوفين طال احتجازهم.
في صيغته النهائية، أسقط القانون الدعوى العامة والعقوبات عن الجرائم المشمولة به، مع استثناء جرائم عدة، وخفّض عقوبة الإعدام إلى 28 سنة سجنية، والأشغال الشاقة المؤبدة إلى 17 سنة، وسائر العقوبات بمقدار الثلث. كما نصّ على إخلاء سبيل من تجاوز توقيفه 12 سنة من دون صدور حكم بحقه، مع استمرار محاكمته.
هذه الصيغة تعكس ما أمكن جمعه في قانون واحد: عفوٌ في بعض الملفات، وتخفيض للعقوبات في أخرى، ومعالجة للتوقيف الطويل، مع إبقاء ملفات أخرى خارج القانون. ومن هنا يمكن قراءة القانون بوصفه «قانون الممكن»: الصيغة التي أمكن أن تلتقي حولها القوى السياسية، من دون أن تكون بالضرورة معالجة كاملة لأزمة العدالة.
لكن خلف هذه الصيغة القانونية تقف مسألة أوسع: ماذا يحدث عندما تُستخدم أداة استثنائية لمعالجة خلل مزمن في القضاء والسجون، فيما تحمل في الوقت نفسه ملفات سياسية وطائفية؟ هنا يبدأ الخلاف الحقيقي حول القانون، وهنا تأتي قراءة النائب السابق الدكتور مصطفى علوش.
لا يرى علوش أن أزمة السجون تُحل بإخراج عدد من الموقوفين تحت مظلة عفو عام. فالمعالجة، في نظره، تبدأ بتفكيك الملفات: من لم يُحاكم تُسرّع محاكمته، ومن يكون قد استنفد عقوبته خلال فترة توقيفه يُخلى سبيله، ثم تُبحث مدد العقوبات وظروف الاحتجاز وطبيعة كل جرم على حدة.
ينقل علوش النقاش من العفو إلى أصل المشكلة. فإذا كان عدد الموجودين في السجون قرابة ثمانية آلاف، فيما تبلغ قدرتها الاستيعابية في أفضل الظروف نحو أربعة آلاف، فإن إخراج عشرات الموقوفين لا ينهي أزمة الاكتظاظ. ويشير إلى أن نحو ثلث الموجودين في السجون هم سوريون، وأن معالجة أوضاعهم وإعادتهم إلى سوريا يمكن أن تخفف الضغط عن السجون اللبنانية، قبل التعامل مع بقية الملفات قضائيًا.
لكن اعتراضه لا يتوقف عند حجم المستفيدين من القانون. فالمشكلة، في قراءته، أن ملفات مختلفة جُمعت داخل تسوية واحدة، فتحولت قضايا الموقوفين في ملفات الإرهاب إلى ما يشبه حصة للسنة أو للمعتقلين الإسلاميين، بينما عُدّ ملف المبعدين إلى إسرائيل قضية مسيحية، ودخلت ملفات أخرى في حسابات التوازن الطائفي.
ولهذا وصف علوش القانون بأنه «بازار سياسي»، لا معالجة حقوقية.
وتظهر خطورة هذا المنطق حين تصبح الهوية السياسية أو الطائفية جزءًا من طريقة قراءة الملف القضائي. فبعض القضايا، وفق علوش، لا يمكن فصلها عن التحولات التي طرأت على لبنان والمنطقة؛ وما كان يُقرأ في مرحلة سياسية باعتباره فعلًا ذا توصيف معين قد يُعاد النظر فيه بعد تغير الظروف.
ويستحضر في هذا السياق قضية أحمد الأسير، كما يشير إلى التحول في موقع حزب الله داخل الخطاب السياسي والقانوني، بين مرحلة كان يُنظر إليه فيها بوصفه مقاومة ومرحلة يصفه فيها خصومه اليوم بأنه تنظيم مسلح. ولا يعني ذلك، في منطقه، إسقاط المسؤولية عن الجرائم، بل إعادة فحصها وفق الوقائع والأفعال بدل تثبيت توصيف سياسي سابق باعتباره حقيقة نهائية.
وتصل هذه المقاربة إلى أحداث عبرا. فالقضية، في نظر علوش، لا تُغلق بمجرد الأحكام التي صدرت في مرحلة معينة، ولا بد من مراجعة الملفات التي ظهرت فيها معطيات جديدة، وكذلك مسؤوليات الأطراف التي شاركت في الأحداث. ويشمل ذلك، بحسب طرحه، عناصر حزب الله الذين شاركوا في المعارك ولم يخضعوا للمحاسبة نفسها، إضافة إلى مراجعة دور ضباط الجيش الذين شاركوا في إدارة العمليات.
وفي هذا الإطار، لا يضع علوش أحمد الأسير ونعيم عباس في خانة واحدة؛ فالمقارنة بين الملفات يجب أن تقوم على الأفعال والوقائع، لا على الانتماء السياسي أو الطائفي.
أما قضية نوح زعيتر، وفي ظل المخاوف من إمكان استفادته من القانون، فلا يحسم علوش ما إذا كان مشمولًا به. لكنه يلفت إلى أن بقاءه سنوات طويلة خارج التوقيف، رغم وجوده في مناطق نفوذ حزب الله، يثير، في رأيه، أسئلة حول علاقاته السياسية والأمنية، ويعتبر أن الحزب كان مستفيدًا من القضية وفق توصيفه.
وفي ملف الموقوفين الإسلاميين، يلفت علوش إلى الفارق بين الأرقام المتداولة وبين عدد المستفيدين فعليًا من القانون. فالموجة الأولى من الإفراجات، بحسب تقديره، ستشمل نحو 79 شخصًا، وهو عدد محدود مقارنة بحجم الملف الذي طُرح سياسيًا وإعلاميًا بوصفه أحد الأسباب الرئيسية للعفو.
المفارقة أن الموقوف الذي أمضى سنوات في السجن من دون محاكمة لا يحتاج بالضرورة إلى عفو، بل إلى محاكمة. وإذا خرج بريئًا بعد سنوات من الاحتجاز، فإن إسقاط الدعوى لا يعيد إليه تلك السنوات ولا يجيب عن مسؤولية الدولة تجاهها. والقانون نفسه يقرّ بجزء من هذه المشكلة حين يتيح إخلاء سبيل من تجاوز توقيفه 12 سنة من دون حكم، مع استمرار محاكمته.
أما المحكوم، فمساره مختلف؛ إذ توجد عقوبة قضائية قائمة، ويأتي القانون ليحدد ما إذا كانت ستبقى أو تُخفض وفق شروطه.
لهذا لا تنتهي القضية عند عدد الذين سيخرجون من السجون. ما يتركه قانون العفو وراءه هو ملف العدالة نفسه: محاكمات متأخرة، توقيف طويل، سجون عاجزة عن استيعاب نزلائها، وملفات اختلط فيها القضائي بالسياسي حتى صار القانون الاستثنائي أحد أدوات إدارتها.
بين «قانون الممكن» و«البازار السياسي» لا تكمن المسألة في الاسم، بل في طبيعة الحل الذي اختاره لبنان لأزمة متراكمة. فقد يكون القانون قد جمع في صيغة واحدة ما أمكن تمريره في لحظة سياسية محددة، لكن قابلية القانون للمرور لا تجعل منه بالضرورة معالجة للخلل الذي أنتجه.
وفي بلد تتراكم فيه الملفات حتى يصبح العفو أحد مخارجها، تكمن المشكلة حين يتحول الممكن السياسي من حل استثنائي إلى بديل دائم عن العدالة التي كان يفترض أن تنجزها المحاكم.

Spread the love

Maysaa Haydar