بزبينا… حين كان التراب يعلّمنا معنى الحياة

بزبينا… حين كان التراب يعلّمنا معنى الحياة

مصباح العلي

حين كان الفجر يوقظ الفلاحين

كانت خيوط الفجر الأولى في بزبينا ترسم مسارات الفلاحين نحو أرضهم، كأن أصوات المعاول عند الصباح كانت طقوس نهارات الضيعة النائية، تلك التي لم تكن تتسع لكثير من الصخب.

كان الفجر هناك مختلفًا؛ لا توقظه منبهات الساعات، بل وقع خطوات الرجال على حجارة الدروب، وصوت باب خشبي يُفتح، وسعلة شيخ يستعد ليوم جديد، ونداء «صباح الخير» يتردد بين البيوت قبل أن تبتلع الأرض أصحابها.

يخرج الرجال من بيوتهم مع عُدّتهم البسيطة: معول، منكوش، منجل، رفش… ويتوجهون إلى البساتين، والشمس في وجوههم، وشقاء الحياة خلفهم، عساهم يحصلون على موسم يسدّ الديون، ويؤمّن لهم ما يكفيهم حتى يأتي موسم آخر.

الأرض… وعدٌ بالبقاء

لم تكن الأرض يومها وعدًا بالثراء، بل كانت وعدًا بالبقاء.

كان الفلاح يزرع وهو يعرف أن السماء قد تخذله، وأن الموسم قد لا يأتي كما يشتهي، وأن الدين ينتظره عند نهاية السنة، لكنه كان يزرع على أي حال.

وربما هنا تكمن إحدى أعمق حكم الحياة: أن الإنسان لا يملك ضمانات المستقبل، لكنه يملك أن يضع البذرة في التراب.

وفي الطريق، قد يصادف المارون استراحة فنجان قهوة عند هذا البيت أو ذاك الجار، وأحاديث مختصرة قبل اللحاق بواجبات التنظيف والتشحيل والنكش.

كانت مهام الأرض مرهقة جسديًا، لكنني أظن أن في مقابل ذلك راحة بال مصدرها القناعة؛ قناعة الإنسان بما أعطته الأرض، وبما يستطيع أن يفعله بيديه.

زمنٌ خفّ فيه تعب الجسد وكثر فيه تعب الروح

أما نحن اليوم، فنشكو كثرة التفكير وقلة الراحة الجسدية والنفسية.

لقد خفّ تعب الجسد، وربما ازداد تعب الروح.

صار الإنسان يملك آلات تختصر المسافات، لكنه فقد شيئًا من معنى الوصول. يملك وقتًا أكثر، لكنه لا يعرف أين يضعه. ويملك أشياء كثيرة، لكنه لا يجد دائمًا تلك الطمأنينة الصغيرة التي كان الفلاح يجدها في نهاية نهاره، حين يعود من الأرض، يغسل يديه، ويجلس أمام بيته، وهو يعرف أنه فعل ما يستطيع.

مفارقة غريبة بين زمن كان التعب فيه كثيرًا والقلق قليلًا، وزمننا الذي قلّ فيه التعب الجسدي وكثر فيه القلق.

جدي حسن… وطقس الأرض الذي لا يتغير

كان طقس الأرض عند جدي حسن لا يتغير ولا يتبدل.

نسمع سعاله في غرفته، ونسمع زقزقة الباب الخشبي قبل أن نخطف قبلة الصباح. يرتشف بلعة ماء من الإبريق، ثم يشق طريقه صعودًا، مع متلازمة «صباح الخير» لجيرانه: أم عبد الحميد، أبو أسعد، والحاج علي، قبل أن يسلك طريق الساقية.

ولا تزال في ذاكرتي آثار خطواته المتعثرة فوق حجارة الدرب الوعر.

كانت خطواته تبتعد شيئًا فشيئًا، تخفّ رويدًا رويدًا، ثم تختفي.

لكن الغريب أن الخطوات التي اختفت من الطريق بقيت في داخلي.

ربما لأن الإنسان لا يترك أثره الحقيقي في الأمكنة، بل في الذين أحبوه.

الأرض إرثٌ من تعب السنين

كان النهار طويلًا، والعمل يدويًا، والآلات بسيطة كما كانت الطبيعة والناس. لم يكن الوقت مرهونًا بالسرعة، بل كان يسري على مهل، كما الحياة نفسها.

لم يكن أحد يسأل: كم أنجزت اليوم؟

كان السؤال أبسط: هل أعطت الأرض؟ وهل أعطيناها حقها؟

عمل الأرض لا ينتهي إلا عند الموت. وقد يرثه الأبناء، أو يلحقه الإهمال إذا تخلى الأبناء عن أمل الآباء.

معادلة صعبة، وقاسية، وموجعة.

فالأب لا يورّث أبناءه قطعة الأرض فقط؛ يورثهم تعب السنين، وانتظار المطر، وخوف الموسم، وذاكرة الذين سبقوهم. وحين يتخلى الأبناء عن الأرض، لا يتركون التراب وحده، بل يتركون جزءًا من حكاية العائلة يسقط بصمت.

«روحوا العبوا… واتركوا همّ الرزق»

وكانت استراحة جدي حسن المعهودة عند الظهر.

فراش بسيط تضعه المرحومة كوكب لعمها العجوز، يتبعه فنجان قهوة، قبل أن يشعل سيجارة لفّ عربي.

لم يكن مسموحًا لنا، نحن الصغار، أن نرافقه إلى الأرض أو أن نساعده.

كان جدي حسن رقيقًا وحنونًا، يخاف علينا من التعب، ولسان حاله دائمًا:

«روحوا العبوا… واتركوا همّ الرزق».

لم يكن يدري أن تلك الكلمات ستبقى أطول من عمره.

لم يكن يدري أنني، عند مشارف الكهولة، سأستعيد صوته كما لو أنه قالها بالأمس.

ولم يكن يدري أيضًا أن الرجل الذي كان يمنعنا من حمل المعول خوفًا علينا من التعب، كان يزرع فينا حب الأرض من دون أن يشعر.

كان يبعدنا عن التراب، فإذا بنا نتعلق به أكثر.

كان يحرمنا من مشاركته العمل، فإذا بنا نرث منه حب كل ما عمله.

كل عزق و  دسكرة، وكل حجر، وكل شجرة، وكل حفنة تراب حرثها برموش عينيه طوال حياته، أصبحت جزءًا من ذاكرتي.

الأرض تحفظ آثار الذين زرعوها

ولعل أجمل ما في الأرض أنها لا تحفظ أسماء الذين زرعوها، لكنها تحفظ آثارهم.

تحت كل شجرة حكاية، وفي كل حجر خطوة، وفي كل درب ظلّ إنسان مضى.

وهكذا أفهم اليوم أن جدي حسن لم يكن مجرد فلاح عادي.

كان، من حيث لا يدري، فيلسوفًا من طينة الأرض.

كان يعرف أن الرزق ليس ما نملكه، بل ما نطمئن إليه. وأن الإنسان يستطيع أن يعيش بالقليل إذا كان قلبه متصالحًا مع القليل.

وكان يعرف، ربما أكثر مما نعرف نحن، أن الحياة ليست سباقًا دائمًا، وأن الإنسان لا يُقاس بما جمعه، بل بما تركه وراءه من أثر.

بزبينا… مدرسة صامتة للحياة

بزبينا لم تكن بالنسبة إليّ مجرد بلدة، بل هي  مدرسة صامتة للحياة.

Spread the love

Maysaa Haydar