حين تعلّمتُ أن أرى العالم دون أن أشرحه

حين تعلّمتُ أن أرى العالم دون أن أشرحه

بقلم نعمت كرّوم

بدأ الأمر أبسط من ذلك بكثير… كفضول صغير يقترب من العالم دون أن يخافه.
لكن عندي، لم يبدأ من فكرة، بل من طفولة هادئة ومرتبكة في آن.

كانت أمي تشتري مجلات “سمر” و“ريما”، وتتركها على الصوفا كأنها تفاصيل عابرة، لكنها بالنسبة لي كانت بداية شيء لا أعرف اسمه بعد.
كنت أتأمل الصور أكثر مما أقرأها، وأتركها تتجاوز حدودها قليلاً، كأنني أستعير منها حياة لا تخصّها.

في الثامنة تقريباً، لم تكن المجلات نصوصاً، بل فتحات صغيرة في واقع يمكن أن يتغيّر.

ولم أكن وحدي في ذلك؛
كان في الصمت الذي تتركه أمي، وفي مرورها الخفيف قرب الصوفا دون تعليق، شيء يشبه الإذن غير المعلن… أن أقترب دون أن أشرح.
لم يكن ذلك وعياً، بل انجذاباً خفياً إلى ما لا يُغلق تماماً.

ثم كانت أول رواية أقرأها بالسرّ: “امرأة عند نقطة الصفر”.
في الثامنة، كان العنوان وحده كافياً ليوقظ شيئاً لا أعرفه بعد… كأن الكلمات نفسها تقف عند بداية حادّة.
لم أفهمها كما تُفهم الكتب، لكنني شعرت بها كصوت بعيد، كأن شيئاً في القراءة بدأ يتحرك ببطء دون أن أستطيع تسميته.

أتذكّر، في الثانية عشرة تقريباً، أن أمي أهدتني كتاباً مغلّفاً بورق زهري: “لعبة الكرات الزجاجية” — هيرمان هسه.
فتحته ببطء… كأن شيئاً داخله كان يرنّ بهدوء خفيف، مثل كرات زجاجية تتلامس في الظل.
لكن عندما قلبت الصفحة الأولى، وجدتُ في داخله سوارين من ذهب، ولم أعرف، لوقت طويل، أيّهما كان الهدية.

ومع الوقت، لم يعد الأمر مرتبطاً بكتاب واحد.
كل قراءة كانت تترك أثراً صغيراً، غير مكتمل، لكنه يبقى.
ثم شيئاً فشيئاً، صارت القراءة عادة.

حتى الروايات التي كانت أمي تتركها على الصوفا، دخلت في الحياة كما هي، بلا شرح.

لاحقاً، بدأت أفهم أن بعض الأرواح لا تنجو من الطمأنينة، بل من الندوب التي تتعلّم كيف تلمع بهدوء.

ومن حياة لم تكن عادلة دائماً، كنت أعيد ترتيب الأشياء في داخلي، حتى يبدو العالم أقل قسوة.

ثم جاء شكسبير.
هناك، لم تعد القراءة اكتشافاً، بل نوعاً من السكن.
في “حلم ليلة صيف” و“هاملت” و“روميو وجولييت”، كان العالم يبدو وكأنه يتكلم بلغة أعرفها مسبقاً، دون أن أكون قد سمعتها من قبل.
To be or not to be…
لم تكن جملة، بل إيقاعاً داخلياً، كأنها أصبحت شكل التفكير نفسه.
My father had a daughter loved a man…
أحياناً، كانت اللغة تنحني قليلاً وتقول أكثر مما تقوله مباشرة.
Love is a smoke made with the fume of sighs…
لم تكن استعارة، بل طريقة أخرى للشعور.
ومع السونيتة 18، لم أعد أقرأ الشعر، بل أستمع إلى نبضه.

ومع ذلك، لم يكن هذا كله صدمة، بل كأنني ألتقي بشيء كان هناك دائماً.

الضوء الذي مرّ يوماً فوق صوفا صغيرة، وترك العالم مفتوحاً قليلاً.

Spread the love

Maysaa Haydar