فزاعة الصين: أمريكا تدير الكلفة والخليج يعيد التموضع في شرق أوسط متحوّلالأزمنة الغبية تُطعَم بالحجارة — بيرسي شيليفي الشرق الأوسط اليوم،
بقلم نعمت كرّوم
تبدو الفزاعة الصينية واحدة من تلك الحجارة السياسية التي تُلقى باستمرار لإبقاء التوتر حيًّا: الصين توسّع نفوذها بهدوء داخل نظام ما تزال الولايات المتحدة تتحمل كلفة حمايته واستنزافه، بينما يعيد الخليج تموضعه داخل توازنات جديدة دون قطيعة كاملة مع أيٍّ من الطرفين.
تضخّم الولايات المتحدة الخطر الصيني في الشرق الأوسط لتبرير استمرار حضورها فيه. فواشنطن لا تواجه صعود قوة بديلة قادرة على استبدالها بقدر ما تواجه تراجعًا تدريجيًا في قدرتها على احتكار إدارة الشرق الأوسط، في ظل غياب طرف دولي مستعد فعليًا لتحمل الكلفة الكاملة لهذا الحضور.
الشرق الأوسط لا ينتقل من نظام هيمنة إلى آخر، بل يعيش داخل تنازع قوى لا تملك أيٌّ منها القدرة على الحسم. ما يحدث ليس صعودًا صينيًا مقابل تراجع أمريكي خطي، بل تفكك تدريجي لاحتكار أمريكي تشكّل بعد الحرب الباردة، دون أن يقابله بديل قادر على إعادة بناء قواعد مستقرة.
— صعود الخليج وتراجع الدول العربية —
لا يمكن فهم موقع الخليج بوصفه صعودًا مستقلًا، بل كحركة داخل فراغ في الشرق الأوسط نتج عن التحولات العربية خلال العقدين الأخيرين.
مع تفكك العراق، وتراجع الدولة السورية، وتآكل الدولة المصرية، والانهيار اللبناني، لم تتشكل بنية إقليمية بديلة، بل فضاء مفتوح يعاد ملؤه عبر التموضع لا عبر الهيمنة.
داخل هذا الفراغ، لم يتحرك الخليج ككتلة واحدة، بل كمسارات مختلفة داخل الواقع نفسه.
السعودية انتقلت عبر رؤية 2030 وصندوق الاستثمارات العامة إلى بناء نفوذ اقتصادي وتقني مباشر، يقوم على الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز الإنتاج الجديدة للقوة. الإمارات رسّخت موقعها كمركز مالي ولوجستي يربط الشرق بالغرب داخل الاقتصاد العالمي. قطر استخدمت الطاقة كأداة نفوذ دبلوماسي واستثماري يتجاوز حدود الحجم الجغرافي.
لكن هذه التحولات لا تعني انفصالًا عن النظام الدولي، بل انتقالًا داخل حدوده.
الخليج يتحرك ضمن معادلة مزدوجة: اقتصاد يتجه شرقًا نحو الصين، وأمن ما يزال مرتبطًا بالولايات المتحدة.
بهذا المعنى، لا يعيد الخليج تشكيل النظام من خارجه، بل يعيد تنظيم موقعه ووظائفه داخله ضمن توازنات غير مستقرة.
— من يدفع الكلفة ومن يجني النفوذ —
الصين لا تنافس الولايات المتحدة على إدارة الشرق الأوسط بقدر ما تستفيد من نظام ما تزال واشنطن تتحمل كلفة استمراره.
فالولايات المتحدة لم تعد تحتكر المشهد كما في السابق، لكنها ما تزال الطرف الذي يضمن الحد الأدنى من الاستقرار: حماية الممرات البحرية، بما في ذلك مضيق هرمز والبحر الأحمر، وإدارة التحالفات، والتدخل عند اختلال التوازنات.
في المقابل، تتحرك الصين داخل هذا الاستقرار دون أن تتحول إلى قوة أمنية، مستفيدة من تدفق الطاقة واستقرار التجارة، دون أن تتحمل كلفة الحروب أو إدارة الأزمات أو حماية الشرق الأوسط.
بهذا المعنى، العلاقة ليست صراعًا مباشرًا، بل اختلال في توزيع الأعباء: طرف يدفع الكلفة، وآخر يجني العائد.
— نظام يتآكل دون أن ينهار —
ما يظهر اليوم ليس انهيار الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، ولا صعود هيمنة صينية بديلة، بل مرحلة انتقالية طويلة يتآكل فيها مركز النظام دون أن ينهار.
الشرق الأوسط لم يعد تحت قطب واحد، لكنه لم يدخل تعددية مستقرة أيضًا. بل أصبح فضاء تتقاطع فيه قوة أمريكية لم تعد مطلقة، وصعود صيني غير مكتمل، وأدوار إقليمية تعيد التموضع داخل فراغ غير محسوم.
ولهذا تبدو المنطقة أقل خضوعًا، لكنها أكثر ارتباطًا ببنية توازنات تمنع الحسم النهائي.
وفي النهاية: لا تُستبدل الهيمنة… بل تتفكك دون أن تُلغى

