من نورمبرغ إلى غزة: القوة فوق العدالة
بقلم نعمت كرّوم
لم تكن محاكمات نورمبرغ (1945–1949) نهاية حرب، بل لحظة ثبت فيها أن العنف حين يُدار باسم الدولة يبقى جريمة. هناك لم يُحاكم “الشر” كحالة استثنائية، بل كمنظومة كاملة داخل الدولة النازية: ضباط، ومسؤولون، وإداريون داخل جهاز واحد.
أوشفيتز، تريبلينكا، غزو بولندا، فرنسا، والاتحاد السوفيتي: ليست وقائع منفصلة، بل سياسة دولة نُفذت عبر مؤسساتها.
من نورمبرغ خرج مبدأ واحد حاسم: الطاعة داخل الدولة لا تلغي المسؤولية الفردية.
روبرت جاكسون قال إن الجرائم التي نُظرت هناك كانت محسوبة وخبيثة ومدمرة إلى درجة أن الحضارة لا يمكن أن تتجاهلها دون أن تهدد بقاءها إذا تكررت.
ضمن هذا المسار، قرأت ماري ميتلاي كوفمان نورمبرغ كقاعدة مستمرة للمساءلة: ليس حدثًا منتهيًا، بل معيارًا دائمًا لفهم مسؤولية الفرد داخل الدولة.
لكن ما تغيّر لاحقًا لم يكن جوهر العنف، بل موقعه. لم يعد خارج الدولة أو ضدها، بل استقر داخل بنيتها نفسها، يُدار عبر مؤسساتها السياسية والعسكرية والقانونية.
القصف، الحصار، الاعتقال، التعذيب، والتجويع أدوات دولة، لا خروقات عليها.
القانون الدولي موجود، لكنه لا يعمل خارج ميزان القوة.
في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، طُرحت اتهامات تتعلق بأفعال قد ترقى إلى الإبادة الجماعية، وأصدرت المحكمة تدابير احترازية لحماية المدنيين، في سياق يرتبط بالمسؤولية السياسية لإسرائيل، بما فيها بنيامين نتنياهو، بينما بقي الحكم النهائي غير محسوم.
وفي قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة (1986)، صدر حكم واضح ضد التدخل العسكري الأميركي في عهد رونالد ريغان، لكن التنفيذ لم يحدث.
القانون هنا لا يصمت. لكنه يعلن ما لا يستطيع فرضه.
ما بدأ في نورمبرغ لم يُغلق. ما زال قائمًا في الفجوة بين ما يقوله القانون، وما تسمح به القوة من تطبيقه.
ليست الأزمة في غياب العدالة عن النصوص، بل في لحظة تصبح فيها العدالة مشروطة بميزان القوة.

