العقد الوطني الرابع 2026

العقد الوطني الرابع 2026

د. مريم عبدالله اسحق.

مجدداً، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام تحدٍ وجودي يتمثل في كيفية الحفاظ على كيان الدولة اللبنانية وحماية الاستقرار الداخلي. ففي الوقت الذي ترى فيه قوى سياسية لبنانية أن المفاوضات الجارية مع اسرائيل، سواء كانت أمنية أو تقنية أو سياسية، تمثل وسيلة لحماية لبنان من الانزلاق إلى مواجهات مدمرة، تعتبر قوى أخرى أن أي انفتاح تفاوضي معها يشكل مساساً بثوابت وطنية أو استراتيجية لا يجوز التنازل عنها. وفي المقابل، تنظر شرائح واسعة من اللبنانيين إلى المعارك التي يخوضها حزب الله مع إسرائيل باعتبارها جزءاً من معادلة ردع ودفاع، بينما ترى شرائح أخرى أن كلفة هذه الحروب تتجاوز قدرة الدولة والمجتمع على التحمل، وتحمل في طياتها تنفيذاً لأجندات خارجية على الأراضي اللبنانية.
هذه التباينات ليست جديدة بالمطلق، لكنها حظيت خلال السنوات الأخيرة بطابع أكثر حدية بسبب التغيرات الإقليمية. ومع كل جولة تصعيد أو حديث عن مفاوضات، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة، وهو السؤال عمن يحدد مستقبل لبنان الاستراتيجي؟ هل هي الدولة ومؤسساتها المنتخبة، أم أن القرار مرتبط بموازين القوى الدولية والإقليمية؟
تكمن الخطورة في أن هذا الخلاف لم يعد يدور فقط حول الديناميات السياسية فقط، بل تطور إلى مراحل خطيرة قد تفضي إلى اقتتال داخلي. وفي هذا السياق، تبين التجربة اللبنانية أن الحروب الأهلية والصراعات الدموية المرتبطة بها لم تبدأ بسبب حوادث منفردة، بل نتيجة تراكم الانقسامات وفشل النظام السياسي في إدارتها. وبالتالي، لا يكمن الخطر الحقيقي في وجود الخلافات حول التفاوض أو التمسك بالمقاومة المسلحة بحد ذاتها، بل بتحوّل الخلاف إلى قناعة لدى كل طرف من الأطراف بأن الآخر يمثل تهديداً وجودياً له. وهذا الأمر قد يرتبط إلى حد كبير جداً بالديناميات السياسية والأمنية الخارجية التي قد تحاول إشعال فتيل حرب أهلية جديدة في لبنان لتحقيق مكاسب سياسية، لا يمكن ربما تحقيقها عبر العمليات العسكرية المباشرة.
ما سبق لا يعني بالضرورة وجود خطة محددة أو سياسة خارجية معلنة لإشعال نزاع داخلي، لكنه يسلط الضوء على حقيقة تاريخية مفادها أن المجتمعات المنقسمة تصبح أكثر عرضة للتدخلات الخارجية وللاستثمار في تناقضاتها السياسية والطائفية. ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في أي مواجهة عسكرية على الحدود، بل أيضاً في احتمال انتقال الاستقطاب الإقليمي إلى الداخل اللبناني وتحوله إلى صراع بين اللبنانيين أنفسهم.
إن النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية، أو حول مستقبل العلاقات الإقليمية للبنان، أو حول مفهوم الحياد، هو نقاش مشروع وطبيعي في أي دولة ديمقراطية. غير أن الفرق كبير جداً بين الاختلاف السياسي وبين الانزلاق إلى منطق المواجهة الداخلية. واليوم، وبينما تشهد المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى ترسيخ اتفاق وطني لبناني يمنع تحول الخلافات السياسية إلى امتداد للصراعات الإقليمية. فسواء اختلف اللبنانيون أو اتفقوا حول قضايا كبرى مثل سلاح حزب الله أو المفاوضات مع اسرائيل، أو موقع لبنان الإقليمي، فإن حماية السلم الأهلي يجب أن تبقى خطاً أحمر لا يسمح بتجاوزه. وعلى الرغم من التأكيد الدائم للقوى السياسية والمؤسسات الرسمية اللبنانية على هذا الأمر، إلا أن طبيعة الخلافات الحالية حول القضايا السياسية الخارجية الحساسة وطبيعة التدخلات الدولية قد تجعل من أية تصريحات سياسية غير ذي قيمة فعلية ما لم تكن مرتبطة بإرادة شعبية لبنانية لتحييد كيان الدولة اللبنانية عن الانهيار.
لقد نجح لبنان على امتداد تاريخه الحديث بإنتاج صيغ سياسية استطاعت إدارة التعددية الداخلية ومنع تحولها إلى صراعات وجودية تهدد كينونة الدولة. فمن الميثاق الوطني عام 1943 إلى اتفاق الطائف عام 1989؛ كانت الفكرة الأساسية تقوم على إيجاد توازنات سياسية تسمح للمكونات اللبنانية المختلفة بالتعايش ضمن إطار سياسي واحد. غير أن التحولات والتغيرات التي شهدها الإقليم خلال العقود الأخيرة أظهرت أن التحدي الذي يواجه لبنان اليوم لم يعد محصوراً في إدارة التعددية الطائفية فحسب، بل أصبح مرتبطاً بإدارة تعددية أكثر تعقيداً تتمثل في تعدد الانتماءات والرؤى الجيوسياسية والأيديولوجية داخل المجتمع اللبناني نفسه. ونتيجة لذلك، لم يعد اللبنانيون مختلفين فقط حول إدارة الدولة أو توزيع الصلاحيات، بل باتوا يختلفون أيضاً حول موقع لبنان في الصراعات الإقليمية، وطبيعة تحالفاته الخارجية، وتعريف مصادر التهديد والتحديات الاستراتيجية التي تواجهه.
من هنا تبرز الحاجة إلى عقد وطني رابع، وهو ليس اتفاقاً جديداً لتقاسم السلطة، ولا صيغة إضافية للمحاصصة السياسية، بل إطار منهجي جديد يهدف إلى تنظيم العلاقة بين التعددية اللبنانية وبين بيئة النزاعات الدولية والإقليمية المضطربة المحيطة بها.
جوهر هذا العقد يقوم على الاعتراف بحقيقة أساسية طالما جرى تجاهلها أو محاولة تجاوزها، وهي أن لبنان يضم داخل نسيجه الاجتماعي والسياسي رؤى مختلفة تجاه القضايا الإقليمية والدولية. فهناك من يرى أمن لبنان في الانخراط ضمن محاور إقليمية معينة، وهناك من يراه في الحياد أو في الشراكات الدولية والعربية. وهذه الاختلافات ليست طارئة أو مؤقتة، بل أصبحت جزءاً من الواقع السياسي اللبناني. وفي هذا الإطار، يجب أن يكون الهدف المركزي للعقد الجديد هو نقل التنافس من ساحة صراع وجودي إلى ساحة تنافس سياسي مشروع تحت مظلة الدولة اللبنانية. فبدلاً من أن يُنظر إلى كل اختلاف حول قضية إقليمية باعتباره معركة مصيرية تحدد بقاء لبنان أو زواله، يتم التعامل معه باعتباره جزءاً طبيعياً من الحياة السياسية يمكن إدارته عبر الحوار والمؤسسات الدستورية.
إن أبرز ما يتطلبه هذا العقد هو إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني اللبناني. فالأمن لم يعد يقتصر على حماية الحدود أو مواجهة التهديدات الخارجية، بل أصبح يشمل أيضاً حماية المجتمع من الانقسام الداخلي الناتج عن الاستقطابات الإقليمية ومنع تحول هذا الإنقسام لحرب أهلية يستفيد منها أطراف خارجيون على حساب اللبنانيين. لذلك، فإن العقد الوطني الرابع ليس مشروعاً لتوحيد اللبنانيين حول رؤية سياسية واحدة، بل مشروعاً لتوحيدهم حول قواعد إدارة الاختلاف. وهو انتقال من مفهوم التوافق على المواقف السياسية إلى مفهوم التوافق على الضوابط والمعايير المتصلة بوجود لبنان ووجود اللبنانيين، ومن السعي إلى إنهاء التعددية إلى بناء آليات تجعل هذه التعددية مصدر قوة واستقرار بدلاً من أن تكون مدخلاً دائماً للأزمات، أو مدخلاً لاحتلال جديد يهدد الوجود اللبناني ككل.

Spread the love

Maysaa Haydar