حماية الوجود المسيحي في لبنان: الدولة أولاً، ثم الأمن الذاتي عند الضرورة.
د. مريم عبدالله اسحق
في مطلع تموز من العام الجاري، طرح مستشار السياسة الخارجية الأمريكية وليد فارس مبادرة أمنية تدعو إلى إنشاء ألوية متخصصة ضمن الجيش اللبناني، تتولى الولايات المتحدة تدريبها وتجهيزها عبر البنتاغون، على أن تعمل هذه الألوية بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM). وبحسب الطرح، تتركز مناطق التدريب في الجبال الممتدة بين المتن وبشري، وعلى الشريط الساحلي بين كسروان والبترون، وهي مناطق ذات غالبية مسيحية. وقد قُدّمت المبادرة في إطار دعم سيادة الدولة اللبنانية وتعزيز جاهزية الجيش لتنفيذ سياسة حصر السلاح بيد الدولة، انسجاماً مع الاتفاق الإطاري الذي تم إبرامه بين لبنان واسرائيل برعاية واشنطن مؤخراً.
على الرغم من أن هذه المبادرة تهدف لتعزيز قدرات الجيش اللبناني في إطار حماية السيادة اللبنانية، إلا أنها قد تتجاوز في أبعادها الاستراتيجية هذا الهدف المعلن. فالتوقيت الذي طُرحت فيه، بالتزامن مع تصاعد النقاش حول احتمال قيام السلطة الانتقالية بقيادة الشرع في سوريا بتدخل عسكري لمواجهة حزب الله؛ يفتح الباب أمام تساؤلات متعددة حول ما إذا كانت المبادرة تستجيب أيضاً لاعتبارات وقائية، تهدف لحماية الوجود المسيحي في لبنان، وليس فقط بإعادة فرض سلطة الدولة اللبنانية.
في هذا السياق، يكتسب اختيار مناطق التدريب أهمية تحليلية تتجاوز البعد اللوجستي. فتركزها في نطاق جغرافي ذي أغلبية مسيحية يطرح فرضية أن المبادرة قد تكون جزءاً من تصور أوسع لإعداد بنية هيكلية عسكرية وأمنية قادرة عند الضرورة على حماية تلك المناطق في حال تعرض لبنان لتحولات أمنية واسعة، أو لانهيار إضافي في قدرة الدولة المركزية على فرض سلطتها. وبالتالي، قد يكون هذا المشروع، إذا صح هذا التحليل، ليس مجرد برنامج لتأهيل وحدات عسكرية، بل أداة لبناء قدرة ردع محلية داخل إطار الجيش اللبناني، بما يضمن حماية مناطق محددة، ودون الإعلان عن إنشاء قوى مستقلة خارج المؤسسة العسكرية.
من منظور استراتيجي أشمل، يمكن النظر إلى المبادرة باعتبارها انعكاساً لتحول في المقاربة الغربية لإدارة أزمات الشرق الأوسط. فبدل الرهان الحصري على الدولة المركزية بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار، بدأت تبرز مقاربات أخرى تسعى إلى تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على حماية وجودها تحت مظلة مؤسسات الدولة نفسها، بحيث تتحول بعض الوحدات العسكرية إلى أدوات لحماية أقاليم بعينها عند تعرض النظام الوطني لضغوط وجودية. وفي هذا الإطار، قد يكون المشروع المقترح محاولة استباقية لإدارة سيناريوهات التفكك الجزئي للدولة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الغطاء القانوني والمؤسساتي للجيش اللبناني.
عملياً، عند وضع هذا الطرح ضمن السياق الإقليمي الأمني، فإنه لا يغدو مقتصراً على لبنان، بل مرتبطاً بالنقاش المتزايد حول مستقبل البنية السياسية في المشرق ككل. فمع استمرار هشاشة الدولة المركزية في كل من سوريا والعراق ولبنان، بدأت تبرز تصورات متعددة حول انتقال المنطقة تدريجياً نحو نماذج أكثر لامركزية، سواء اتخذت شكل فيدراليات دستورية، أو أقاليم تتمتع بقدرات أمنية وإدارية واسعة ضمن الدولة الواحدة. وفي مثل هذا السيناريو، تصبح السيطرة على الجغرافيا المجتمعية، وبناء مؤسسات أمنية محلية مرتبطة بالدولة جزءاً من عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي، وليس مجرد استجابة ظرفية لتهديدات أمنية آنية.
انطلاقًا مما سبق، يمكن فهم مبادرة وليد فارس بوصفها تحمل مستويين متداخلين. المستوى المعلن الذي يهدف إلى تعزيز سيادة الدولة اللبنانية وتمكين الجيش من احتكار استخدام القوة. والمستوى الاستراتيجي المحتمل الذي قد يستهدف إعداد البنية الأمنية لمرحلة قد تشهد إعادة توزيع للأدوار الأمنية داخل لبنان، وربما إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم إذا فرضت التحولات الإقليمية ذلك. وبالتالي، قد تكون المبادرة أقل ارتباطاً بإدارة الواقع اللبناني الحالي، وأكثر ارتباطاً بالاستعداد المسبق لشرق أوسط يتجه بشكل تدريجي من مركزية الدولة إلى لامركزية الأمن.
يمكن القول أن فرضية ارتباط تلك المبادرة بإعادة تشكيل مفهوم الأمن في لبنان لا تتعلق بمضمونها فقط، بل بالبيئة الاستراتيجية الإقليمية والداخلية. فالمبادرات الأمنية لا تُقرأ بمعزل عن سياقها الشامل، بل ترتبط بالديناميات السياسية والعسكرية التي تدفع لتبني خيارات استباقية. وفي هذا الإطار، فإن مسألة حصر السلاح بيد الدولة لا تزال تواجه عقبات سياسية وأمنية كبيرة، أبرزها تمسك حزب الله بسلاحه ورفضه العلني للتخلي عنه ضمن الظروف الحالية. وفي حال استمرار هذا الجمود، فإن أي تطور إقليمي أو داخلي قد يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويحد من قدرة الدولة على فرض سلطتها بصورة متجانسة على كامل الأراضي اللبنانية. وبالتالي، فإن اختيار مناطق التدريب المقترحة، والتي تشكل مناطق مسيحية، يفتح المجال لفرضية تحليلية أخرى، مفادها أن الجغرافيا المختارة قد تعكس أيضاً اعتبارات تتعلق بسرعة الانتشار وحماية تلك المناطق إذا تعرض لبنان لأزمة أمنية واسعة ناتجة عن أي تطورات أمنية تتعلق برفض حزب الله لتسليم سلاحه.
من زاوية أخرى، تتعزز أهمية هذا النقاش في ضوء المخاوف المرتبطة بالدخول المحتمل لقوات السلطة الانتقالية السورية إلى لبنان، وهذه المخاوف تتعلق بشكل أساسي بطبيعة تلك القوات. حيث أشارت العديد من التقارير الصحفية إلى أن السلطة الانتقالية تقوم بنشر وحدات عسكرية متعددة على الحدود اللبنانية السورية، والتي تضم عناصر أجنبية. وقد ارتكبت تلك القوات سابقاً انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الساحل السوري والسويداء جنوباً، وهو ما يعزز المخاوف من ارتكاب انتهاكات جسيمة مشابهة في حال دخولها إلى لبنان. لذلك، يمكن قراءة هذه المبادرة على أنها خطوة استباقية لتعزيز حماية المناطق المسيحية في حال حدوث ذلك التدخل الذي سيؤدي إلى انهيار أمني شامل.
في ضوء ما سبق، يبقى السؤال الجوهري مرتبطاً بطبيعة النموذج الجيوسياسي الذي سيُعاد تشكيل الشرق الأوسط على أساسه خلال السنوات القادمة. فالتطورات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة لم تقتصر على تغيير موازين القوى، بل امتدت إلى إعادة تعريف المفاهيم التقليدية التي قامت عليها الدولة الحديثة، وفي مقدمتها احتكار الدولة لوظيفة الأمن. ومع تراجع قدرة عدد من الدول على توفير الحماية المتساوية لجميع مكوناتها، برز اتجاه متزايد نحو نقل مركز الثقل الأمني من الدولة المركزية إلى المجتمعات المحلية، والتي أصبحت تُعامل بصورة متزايدة باعتبارها وحدات استراتيجية يجب تعزيز قدرتها على الصمود والدفاع عن وجودها ضمن الإطار الوطني. وإذا استمر هذا التحول، فإن الشرق الأوسط قد يتجه إلى مرحلة لا يكون فيها التنافس محصوراً بين الدول، وإنما بين نماذج مختلفة لتنظيم الأمن والسلطة، بحيث يصبح أمن المجتمعات أحد المرتكزات الأساسية لإعادة هندسة النظام الإقليمي.
