تسببت الأمطار الغزيرة والعواصف المطرية التي شهدتها منطقة عكار شمالي لبنان
فيما كان لبنان يحبس أنفاسه مع العدّ التنازلي لـ «خريفٍ مخيفٍ» يُخشى معه أن يكون «طرف أيلول مبلولاً» بحربٍ جديدة تدفعه من على أعلى الجرف حيث يقف اليوم، أبى أغسطس، إلا أن يودّع آخِر ساعاته بمشهدية سيول جارفة وهطولات طوفانية ورياح هوجاء دهمت عدداً كبيراً من المناطق، لتتحوّل العاصفة الشتوية في عزّ الصيف مرآةً لواقع بلدٍ تتلاعب به «الرياح العاتية» التي حُصرتْ، ولو إلى حين، في الجنوب ويعاند أن «يزحلَ» بالإكراه إلى «طوفان نار» ثالث، ولا ينفكّ يطوّر أدوات الصمود… بوجه «جمرة» الميدان العسكري التي يحملها بيديه في طريقه ليعود «دولة طبيعية»، كما «رماد» معركتيْ 2024 و 2026 اللتين عمّقتا حفرةً يتقلّب فيها منذ انهياره المالي (خريف 2019) وبات «يرتعد» معها عند كل رعدةٍ وقبل كل شتاء.
وفي وقت كان لبنان عالقاً على «تلة علي الطاهر» التي تنتظر ساعة الصفر الإسرائيلية لـ «القبض عليها» في توقيتٍ لا يَستدرج غضبةً جديدة من الرئيس دونالد ترامب، على بنيامين نتنياهو، ووسط سباقٍ دبلوماسي متعدد المسرح لتفادي انفجار كبير يَحرق جسر المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب، كما لتأمين المظلّة التي سيتفيأها الوطن الصغير في «اليوم التالي» لإخماد جبهته، سَبَق «آب اللهاب» الجميعَ وقَلَب أولويات العدسات والرادارات وفَرَضَ «استراحةً قسرية» كأنها «وقت مستقطع» للبنانيين من يوميات «الطير المذبوح الذي يرقص من شدّة الألم» إلى مَشاهِد غير مسبوقة في منسوب «الرعب» الذي حَمَلَتْه وأخرى «أكدت المؤكد» لجهة القدرة ما فوق عادية لأبناء «بلد طائر الفينيق» على التكيف مع ما قد يراه كثيرون «مصائب» وتطوير نماذج «الحاجة أمّ الاختراع».
فبعد نهارٍ (السبت) انطبع باتجاه الأنظار نحو الآليات التي ستكون ناظمةً لتفكيك سلاح «حزب الله» الذي عاودت واشنطن التذكيرَ بأنه «القفل والمفتاح» في بلوغ لبنان شاطئ الأمان النهائي، وهل تنجح بيروت في حياكةِ مرجعيةٍ أمميةٍ لها عنوانُها المرجعيّ القرار 1701 ولو «مُطهَّراً» من أي التباساتٍ – في النص وبأدوات التنفيذ – أتاحت منذ 2006 تفسَيره على أنه محصور بجنوب الليطاني أو أن تطبيقَه «اختياريّ»، اختار أغسطس أن يكتب فوق «الرمال المتحركة» التي تغرق فيها البلادُ حكايةً كانت حتى الأمس القريب ساكنةً في الأغنيات، ولم تعرف البلاد من سطورها سابقاً إلا بعض «الغارات المائية» العابرة التي لم تتخذ، أقله في الذاكرة القريبة، شكلَ أمطار طوفانية و«أخواتها» ولا سيما في مناطق الشمال (وخصوصاً عكار) التي شهدت سيولاً وعلى السواحل التي «غرق» بعضها.
ولم تكن الشمس بعد أغمضتْ جَفْنَيْها وسط رَصْدٍ لِما إذا كانت الأيام المقبلة ستحمل تحديداً لموعد الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما التي تضرب موعداً افتراضياً خلال سبتمبر، حتى بدأ «انقلاب» اغسطس الذي كانت الأرصاد الجوية توقّعتْه ولاحت طلائعه من قبرص، ولكنه فاجأ حتى «صيّادي الطقس»، بإنزالٍ مناخيّ على شكل «تسونامي مطريّ» سجّل هطولاتٍ قياسية تجاوزت في ساعات قليلة 150 مللمتراً في بعض مناطق عكار بفعل حبات البرد الكثيفة وحجم قطرات المطر، وعواصف رعدية أصابت تشظياتهما الأكبر «الخاصرة الرخوة» في هذا الشهر، أي موسم الأعراس لتنقلب الفرحةُ في بعض حفلات الهواء الطلق، ويتظهَّر في بعضها الآخَر تمدُّد إرادة الصمود لدى اللبنانيّ «المُجَرَّب» في كل الظروف والسيناريوهات إلى مقارعة «الضيف المُخَرِّب» بإصرارٍ على الرقص… تحت المطر.
وإذ تَصَدَّر وسائل الإعلام اللبنانية ومواقع التواصل مقطع فيديو من منطقة البداوي (قرب طرابلس) يُوثّق لحظة جرف السيول لطفل من أبناء المنطقة قبل أن يتمكّن رجلان من إنقاذه، الى جانب التقارير عن تحّول العديد من الطرق أنهراً «سبحت» فيها عشرات السيارات، كان «التراند» الأقوى حفلات الأعراس التي «تبلّلت» بزائر حلّ عليها «بلا ربطة عنق» وبكل الفوضى التي يمكن أن يُحْدثها، فارضاً على البعض «زفّة تحت زخّة المطر»، أو إكمال الاحتفال المفتوح بحسب «خطط الطوارئ» التي أُعدت، سواء عبر شماسي ومظلاتٍ وُزِّعت كأنها من أكسسوارات «الفَرْحة ب» أو عبر نقل «الكرنفال» إلى قاعة مقفلة في الموقع نفسه. أما العرسان الذين وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه وفي العراء أمام عاصفةً فعلية، وخصوصاً الذين كانوا يحتفلون على الواجهة البحرية لبيروت أو منطقة الضبية، فكان الخيار إما الإرجاء أو الإكمال «بمَن حضر» وفق «السيناريو البديل».
وفي كل الأحوال والحالات، اختارت غالبية المحتفلين بـ «يوم العمر» أن تتعاطى مع «شتوة اغسطس» على أنها «بشرة خير»، فرقصوا مع الضيوف، وعلى الرؤوس في بعض الحفلات ما تَيَسَّر من «دروع ضد الماء»، وغنّوا على أزيز مطرٍ أنساهم قرقعة الرصاص والحرب وولائم الموت والدمار التي «يُستَدعون» إليها لأن ثمة مَن يصرّ على أن يكون للبنانيين في كل «عرسِ دمٍ (اقليمي) قرص».
