مداخة اللواء أشرف ريفي في جلسة مساءلة حكومة الرئيس نواف سلام
دولة الرئيس
الزملاء الكرام
أبدأ من النبطية.
أحيّي أهلنا في النبطية، وأحيّي أهلنا في الجنوب، الذين استقبلوا رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وعبّروا بوضوح عن تَوقهم إلى الدولة والشرعية.
هذا المشهد يجب أن نتوقف عنده.
النبطية قالت شيئاً واضحاً: الناس تريد الدولة.
والجنوب قال شيئاً أوضح: الناس تريد أن تعيش تحت حماية الدولة، لا أن تكون رهينة لأي سلاح أو مشروع خارج الدولة.
وهذا ما لمسناه أيضاً خلال زيارة دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي الدكتور نواف سلام إلى الجنوب، حيث كانت الرسالة واضحة: أهل الجنوب يريدون الأمن والاستقرار، ويريدون أن تكون الدولة والجيش اللبناني مرجعيتهم وحمايتهم.
إذاً، النبطية قالت ما قاله الجنوب، والجنوب قال ما يجب أن تسمعه الدولة: نريد الدولة، نريد الجيش، ونريد أن نعيش بأمان تحت سقف الشرعية.
وهذا ليس تفصيلاً عابراً.
هذا هو التحول الحقيقي الذي يجب أن نبني عليه.
مشهد النبطية، وما عبّر عنه أهل الجنوب، يؤكد أن اللبنانيين، ومن بينهم أهلنا في الجنوب، يريدون استعادة الدولة لا استبدالها، ويريدون أن يكون القرار لبنانياً لا قراراً مفروضاً من خارج الحدود.
وهنا أقول بوضوح:
إن مشروع الهيمنة الإيرانية في لبنان سقط أو يكاد.
لقد فشل في حماية الجنوب وأهله.
استجلب الإحتلال الإسرائيلي.
جرّ لبنان إلى الحروب.
دمّر القرى والبلدات.
وأوصَل البلاد إلى الإنهيار.
ولذلك، لا يجوز أن نتصرف وكأن شيئاً لم يحصل.
نحن دخلنا مرحلة جديدة.
مرحلة يريد فيها اللبنانيون دولة واحدة، وجيشاً واحداً، وقراراً واحداً، ومؤسسات تحمي الجميع.
وهذه الفرصة يجب ألا نضيّعها.
دولة الرئيس،
من هنا أنتقل إلى موضوع جلسة اليوم: مساءلة الحكومة، أو جلسة النقاش، وأريد أن أكون واضحاً منذ البداية.
هناك فرق كبير بين مساءلة الحكومة والإنقلاب على الدولة.
نحن هنا لمساءلة الحكومة ومناقشتها.
إذا اقتضى الأمر نحاسبها.
ونضعها أمام مسؤولياتها.
ونحاسبها عندما تخطئ.
ونواجهها عندما تقصّر.
وهذا حقنا الدستوري وواجبنا النيابي.
المساءلة شيء، ونقاشها شيء، وإسقاط الدولة شيء آخر.
المعارضة شيء، والإنقلاب على المؤسسات شيء آخر.
نحن نريد حكومة تُحاسَب، لا دولة تُحاصَر.
نريد معارضة داخل المؤسسات، لا انقلاباً خارج المؤسسات.
ومن هنا، فإن أي خلاف سياسي يجب أن يبقى تحت سقف الدستور والقانون والمؤسسات.
هذه هي القاعدة التي يجب أن تحكم المرحلة الجديدة.
ولا يجوز لأي فريق، أياً كان حجمه أو قوته، أن يعتبر نفسه فوق الدولة أو فوق المؤسسات.
ولا يحلم أحد بعد اليوم أنه يستطيع أن يكرر الانقلاب بقوة السلاح.
لا يحلم أحد بمحاصرة السراي، ولا بإقفال طريق المطار، ولا بفرض شروطه على الدولة تحت تهديد السلاح.
هذه المرحلة انتهت.
نعم هذه المرحلة انتهت.
الدولة موجودة.
الجيش اللبناني موجود.
القوى الأمنية موجودة.
والمؤسسات الدستورية موجودة.
ومن يريد أن يعارض، فليعارض داخل المؤسسات.
ومن يريد أن يطالب، فليطالب داخل المؤسسات.
أما أن يخرج السلاح إلى الشارع ليقرر مصير لبنان، فهذا أمر مرفوض، مرفوض، مرفوض.
وأقولها بوضوح:
لا عودة إلى زمنٍ كان فيه السلاح أقوى من الدولة.
لا عودة إلى زمنٍ كان فيه القرار اللبناني مرتَهناً للخارج.
ولا عودة إلى زمنٍ كانت فيه المؤسسات تُحاصَر بالسلاح.
لبنان لا يُدار بالتهديد.
ولا يُحكَم بالشارع.
ولا تُصان حقوق اللبنانيين بقوة السلاح.
الطريق الوحيد هو الدولة.
الجيش اللبناني ليس ضعيفاً.
والشرعية اللبنانية ليست ضعيفة.
ومن يعتقد أن القوة هي عدد البنادق فقط، لا يعرف معنى الدولة، ولا معنى القوة، قوة الجيش ليست فقط بسلاحه.
قوته بشرعيته الوطنية.
قوته باللبنانيين الذين يقفون خلفه.
قوته بالمؤسسات التي تحميه.
وقوته بالدعم العربي والدولي.
ولهذا، فإن دعم الجيش اللبناني ليس شعاراً.
إنه دعم للبنان، ودعم القوى الأمنية ليس موقفاً ظرفياً.
إنه دفاع عن حق اللبنانيين في دولة تحميهم جميعاً.
لا نريد جيشاً في مواجهة شعبه.
نريد جيشاً يحمي شعبه.
ولا نريد دولة في مواجهة الجنوب.
نريد دولة تستعيد الجنوب وتحمي أهله.
دولة الرئيس،
هناك من يقول:
“من يقاتل هو الذي يفاوض”
لا.
هذا الكلام انتهى.
في الدولة، من يفاوض هو الدولة.
من يتحدث بإسم لبنان هو الدولة.
من يقرر الحرب والسلم هو الدولة.
ومن يحمل السلاح هو الدولة، ولا شرعية لأي سلاح آخر.
نحن لا نريد مفاوضات باسم فريق من اللبنانيين.
الدولة وحدها تفاوض بإسمنا جميعاً.
نريد مفاوضات بإسم لبنان.
ولا نريد قراراً من خارج الدولة.
نريد قراراً لبنانياً.
ولا نريد سلاحاً فوق الدولة.
نريد السلاح حصراً بيد الدولة.
فالسيادة لا تتجزأ.
والقرار الوطني لا يتعدد.
والدولة لا يمكن أن يكون لها إلا قرار واحد.
وهنا أوجه رسالة مباشرة إلى أهلنا في الجنوب:
الدولة تنتظركم.
واللبنانيون كلهم معكم.
لا تخافوا من الدولة.
الدولة ليست خصمكم.
الدولة هي ملاذكم، وهي حاميتكم كما هي حاميتنا.
الدولة تحمينا جميعاً.
آن الأوان أن يعود أهلنا في الجنوب إلى الدولة، وأن تستعيد الدولة الجنوب.
آن الأوان أن يعيش ابناء الجنوب آمنين في قراهم، آمنين في بيوتهم، تحت حماية الجيش اللبناني والقوى الأمنية، لا تحت سطوة السلاح والإحتلال والحروب.
نحن لا نريد أن يُنتزع الجنوب من أهله، والتاريخ أثبت أنه لا أحد يستطيع ذلك.
نريد أن نعيد الجنوب إلى حضن دولته.
نريد من الدولة أن تعطيه ما حُرم منه طويلاً:
الأمن.
الإستقرار.
الكرامة.
والحماية.
الجنوب جزءٌ أساسي من لبنان.
وحماية الجنوب مسؤولية الدولة اللبنانية، لا مسؤولية أية جهة أخرى.
المرحلة السابقة كانت مرحلة أوهام.
نعم أوهام القوة.
أوهام الإنتصار.
أوهام المشروع العابر للحدود.
والنتيجة كانت انتحاراً وطنياً ودماراً شاملاً.
آنَ لهذه المرحلة أن تنتهي.
الهويات العابرة للحدود سقطت.
والمشاريع التي تتجاوز لبنان سقطت.
ولم يبقَ لنا إلا لبنان.
فلنعد إليه.
فلنبنِي دولة واحدة.
جيشاً واحداً.
قراراً واحداً.
ومؤسسات واحدة.
لا نريد لبنان ساحة لصراعات الآخرين.
ولا نريد لبنان ورقة في يد أي محور كان.
نريد لبنان وطناً سيداً، يقرر أبناؤه مصيره، وتدافع عنه دولته، وتحميه مؤسساته.
دولة الرئيس،
هناك أيضاً أموال المودعين.
لا يمكن أن نقبل بأن يدفع اللبناني وحده ثمن الإنهيار.
أموال الناس ليست تفصيلاً.
هذه جنى عمرهم.
هذه أموالهم وأموال أولادهم.
هذه أموال مستقبلهم ومستقبل أولادهم.
نريد استعادة أموال المودعين.
ونريد في الوقت نفسه محاسبة كل من أوصل الدولة إلى الإفلاس.
كل من أهدر المال العام.
كل من استفاد من منظومة الفساد.
وكل من شارك في حماية هذه المنظومة.
لا حصانة سياسية لأحد.
ولا يمكن أن يكون هناك إصلاح بلا محاسبة.
ولا يجوز أن نطلب من المواطن أن يدفع ثمن أخطاء إرتكبها غيره.
الإصلاح المالي يجب أن يكون عادلاً.
والمحاسبة يجب أن تكون جدية.
وأموال المودعين يجب أن تكون في صلب أي خطة إنقاذ حقيقية.
دولة الرئيس،
نحن لا ندافع عن الحكومة لمجرد الدفاع عنها.
نحن ندافع عن فرصة بناء الدولة.
إذا أخطأت الحكومة، نحاسبها.
إذا قصّرت، نحاسبها.
إذا فشلت، نحجب الثقة عنها.
لكننا لن نسقط الدولة معها.
هذه هي المعادلة.
نريد حكومة تُحاسَب.
ولا نريد دولة تُحاصَر.
نريد معارضة داخل المؤسسات.
ولا نريد انقلاباً خارج المؤسسات.
نحن نمارس دورنا النيابي كاملاً.
نراقب… نحاسب… نعترض… ونصوّت.
لكننا في الوقت نفسه نحمي المؤسسات التي انتُخبنا لنمارس دورنا من خلالها.
فالدولة تُبنى بمحاسبة الحكومات، لتصحيح أدائها ومحاسبتها ضمن الأطر الدستورية.
دولة الرئيس،
المنطقة تغلي.
والوقت ليس وقت مغامرات جديدة.
أولويتنا اليوم واضحة:
الإستقرار.
إستعادة الأسرى.
إنسحاب الإحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
تسليم السلاح، كل السلاح إلى الدولة.
عودة أبناء الأرض إلى أرضهم، وحماية لبنان من أي مغامرة جديدة.
هذه ليست أولويات طائفة.
وليست أولويات حزب.
هذه أولويات لبنان… هذه أولويات الوطن.
وأقولها لأهلنا في الجنوب مرة ثانية:
تعالوا إلى الدولة.
تعالوا إلى لبنان.
كل اللبنانيين معكم.
لم يبقَ لنا إلا وطن واحد.
فلنحمه معاً.
ولنستعِد لبنان بدولته ومؤسساته وجيشه.
أما زمن السلاح الذي يفرض إرادته على الدولة، فقد انتهى.
وزمن الهويات العابرة للحدود إنتهى.
وزمن الانقلابات على المؤسسات إنتهى.
نحن أمام لبنان جديد.
لبنان الدولة.
لبنان الشرعية.
لبنان المؤسسات.
ولبنان أولاً… نعم لبنان أولاً وأخيراً.
مجدداً، أؤكد ثقتي بهذه الحكومة ، برئيسها وكامل أعضائها ، وهي نقيض حكومات الدمى التي ساهمت بتدمير لبنان .
