مسار جديد لإصلاح الكهرباء: استثمار خاص وملكية للدولة
لا تتوقف أزمة الكهرباء في لبنان عند تأمين الفيول وتشغيل معامل الإنتاج فحسب، بل يبقى جزء أساسي من المشكلة مرتبطاً بالشبكة التي تنقل التيار إلى المشتركين، وبقدرة الجهة التي تتولى التوزيع على صيانتها والاستثمار فيها، وتحسين الجباية، والحد من الهدر، وضمان استمرارية الخدمة.
يتركز العمل حالياً على إعادة تنظيم قطاع التوزيع عبر تقسيم الأراضي اللبنانية إلى مناطق متعدّدة، وإسناد تشغيل شبكات التوزيع إلى مشغّلين من القطاع الخاص وفق آليات واضحة للجباية والصيانة والاستثمار ومؤشرات لقياس مستوى الخدمة. والمطروح ليس بيع شبكة مؤسسة كهرباء لبنان أو خصخصتها، بل إبقاء ملكيتها للدولة، مع إسناد تشغيلها وإدارتها واستثمارها إلى القطاع الخاص ضمن عقود محددة المدد وتحت رقابة الهيئة الناظمة.
وبموجب هذه الصيغة، يستأجر المستثمر أصول الدولة، من كابلات ومحولات وغيرها، ويتولى تشغيل الشبكة وصيانتها والاستثمار في تطويرها، إضافة إلى توزيع الكهرباء وبيعها وفوترتها وجبايتها. وتبقى ملكية الشبكة والاستثمارات التي ينفذها المشغل للدولة، على أن تعود الأصول إلى مؤسسة كهرباء لبنان عند انتهاء العقد، فيما يُفترض أن تمتد فترة التشغيل إلى 20 أو 25 عاماً.
ويأتي هذا التوجه ضمن ورقة سياسة قطاع الكهرباء التي أقرتها الحكومة في تموز 2026، فيما يجري إعداد دفاتر الشروط وتحديد المناطق الجغرافية تمهيداً لطرح المناقصات.
وسيكون المشغل مسؤولاً عن الخسائر الفنية وغير الفنية، والفوترة والجباية والصيانة والاستثمار، إضافة إلى تحسين استمرارية التغذية وجودة الخدمة، وفق مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس.
وتكمن إحدى المشكلات الأساسية في النموذج الحالي في أن مقدمي الخدمات يتحمّلون مسؤوليات تشغيلية من دون امتلاك الصلاحيات القانونية اللازمة للقطع أو إزالة المخالفات. ويهدف النموذج الجديد إلى معالجة هذه الثغرة عبر منح المشغلين صلاحيات أوسع، بما يساعد على رفع الجباية والفوترة وتقليص الخسائر، ولا سيما الناتجة من السرقات.
وفي هذا الإطار، لا تزال العدادات الذكية تغطي أقل من 10% من المشتركين، فيما يُفترض أن يتولى المشغلون الجدد تركيبها وتأمين نظام فعّال لشكاوى المشتركين.
ينص النموذج على وجود مشغل واحد لكل منطقة جغرافية، بما يمنع تعدّد المشغلين على الشبكة نفسها، من دون أن يعني ذلك احتكاراً مطلقاً، إذ يخضع المشغل لرقابة الهيئة الناظمة ومؤشرات الأداء والمساءلة عن مستوى الخدمة.
وتشمل الرقابة صلاحيات الضابطة العدلية المنصوص عليها في القانون 462، بما يتيح تنظيم محاضر ضبط وإحالة المخالفات إلى النيابة العامة، سواء صدرت عن المشترك أو الموزع أو مقدم خدمة الإنتاج أو التوزيع.
وفي المناطق التي نشأت فيها شبكات صغيرة مرتبطة بالمولدات أو بمشاريع محلية، تطرح الهيئة مساراً انتقالياً يسمح للبلديات والمطوّرين المؤهلين بإنشاء شبكات صغرى (Microgrids)، من دون اعتبار ذلك تسوية نهائية لوضع المولدات.
وتعتمد هذه الشبكات أكثر من 50% من طاقتها على مصادر متجددة، مع أنظمة تخزين ومولد احتياط، شرط وجود مؤسسة قانونية مسؤولة، وتعرفة واضحة ونظام لشكاوى المشتركين.
وتبقى هذه الصيغة موقتة إلى حين دخول مشغل التوزيع الرئيسي إلى المنطقة. وعندها يمكن دمج أصول الشبكة الصغيرة ضمن الشبكة الرئيسية أو إنهاء وضعها الانتقالي، كما يمكن بيع أصولها للمشغل أو الحصول على ترخيص لإنتاج الكهرباء وبيعها للموزع.
وتبرز كهرباء زحلة باعتبارها التجربة اللبنانية الأوضح في إدارة شبكة توزيع محددة، مع تولي المشغل مسؤوليات التشغيل والصيانة والجباية والاستثمار وتحسين الخدمة.
والنموذج المقترح هو الأقرب إلى هذه التجربة من حيث وجود مشغل واحد ضمن منطقة محددة ومسؤوليته عن الشبكة والجباية والاستثمار وجودة الخدمة، لكنه لا يستنسخها قانونياً، وفق الهيئة الناظمة للكهرباء. فالصيغة الجديدة تبقي ملكية أصول شبكة التوزيع للدولة، فيما يحصل القطاع الخاص على حق استئجارها وتشغيلها والاستثمار فيها لفترة محددة، بينما تقوم تجربة زحلة على امتياز خاص.
ولا ينفصل إصلاح التوزيع عن إعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان، إذ يجري العمل على فصل أنشطتها إلى الإنتاج والنقل والتوزيع، مع تحويل المؤسسة إلى شركة.
أما قطاع النقل، فيبقى مملوكاً للدولة بنسبة 100% لأسباب سيادية وأمنية، مع العمل على تطوير الشبكة من خلال قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، في وقت يُفتح فيه قطاع الإنتاج أمام المنتجين المستقلين إلى جانب معامل الدولة.
ومن المقرر أن تمتد المرحلة التحضيرية للمناقصات إلى 6 أشهر، تليها 6 أشهر إضافية لتصبح العمليات تشغيلية.
