انعكاسات اختطاف مادورو على الشرق الأوسط
مصباح العلي يكتب:
خلف البحار، تبدو فنزويلا للوهلة الأولى جغرافيا بعيدة عن الشرق الأوسط، لكن السياسة لا تُقاس بالمسافة، بل بالرمزية. وفنزويلا، منذ عقود، لم تكن مجرد دولة نفطية، بل نموذجًا سياسيًا متمرّدًا على التبعية الأميركية، وامتدادًا لسلسلة تاريخية من حركات التحرر التي أنجبت أسماء تحوّلت إلى أيقونات عالمية، من كاسترو والليندي وغيفارا، إلى شافيز، وصولًا اليوم إلى نيكولاس مادورو.
الرهان الأميركي، ولا سيما في عهد دونالد ترامب، كان يقوم على أن كسر مادورو، أو اختطافه سياسيًا أو أمنيًا، سيشكّل ضربة رمزية قاصمة لليسار العالمي، ويُنهي ما تبقى من مناعته السياسية. غير أن هذا الرهان يعكس خطأً إمبرياليًا قديمًا متجدّدًا، يقوم على الاعتقاد بأن الأفكار تُهزم بإسقاط الأنظمة، وأن التوازنات التاريخية يمكن محوها بعمليات خاطفة أو ضغوط اقتصادية.
فاليسار، مهما تراجع أو تشظّى، لم يكن يومًا مجرد أنظمة حكم، بل شكّل على الدوام عنصر توازن في وجه الرأسمالية المنفلتة. وحين يُستهدف هذا التوازن بالقوة، لا يولد الاستقرار، بل تُفتح الأبواب أمام بدائل أكثر خطورة، يمين متطرّف، عنصري، شعبوي، يرى في العالم ساحة هيمنة لا منظومة حقوق. وما تشهده الديمقراطيات الغربية اليوم من صعود هذه التيارات ليس إلا نتيجة مباشرة لغياب العدالة الاجتماعية، لا لانتصار النموذج الرأسمالي.
من هنا، يصبح استهداف فنزويلا حدثًا يتجاوز حدود أميركا اللاتينية، لتصل ارتداداته إلى الشرق الأوسط. فأي تغيير جذري في موقع فنزويلا داخل منظمة أوبك يعني عمليًا إعادة خلط أوراق النفوذ النفطي العالمي. إضعاف الدول “المتمرّدة” داخل المنظمة ينعكس إيجابًا على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج، ويمنح المملكة والخليج هامشًا أوسع في إدارة السوق النفطية، مقابل إضعاف واضح لموقعي روسيا والصين، حيث يتحوّل النفط من مورد اقتصادي إلى أداة ضبط سياسي بامتياز.
ولا يقف الأمر عند حدود الطاقة. فنجاح واشنطن في كسر النموذج الفنزويلي يبعث برسالة واضحة إلى إيران مفادها أن الحماية الدولية ليست صلبة، وأن الأنظمة الخارجة عن الطاعة يمكن احتواؤها أو استهدافها بعمليات سريعة، دون الانجرار إلى حروب مفتوحة. هنا، يصبح الردع أقل فاعلية، ويغدو منطق الاحتواء الخاطف خيارًا قابلًا للتكرار.
أما في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، فإن العقل الترامبي لا يرى فيها مسألة حقوق أو عدالة تاريخية، بل ملفًا قابلًا للتصفية عبر المقايضة. مشاريع اقتصادية بدل التحرير، مناطق حرة بدل السيادة، استثمارات في غزة، ووعود تنموية في الجولان وجنوب لبنان، على قاعدة الرشوة السياسية لا الحل العادل. إنها محاولة لاستبدال الحق بالفرصة، والكرامة بالأرقام.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في هذا السياق: متى قدّمت الرأسمالية حلولًا حقيقية للعالم؟ التجربة الأوروبية اليوم تقدّم الجواب الأكثر فجاجة. قارة عجوز غارقة في الكساد، بطالة بنيوية، تفكك في الطبقة الوسطى، وصعود متسارع للنازية الجديدة كفعل انتقام اجتماعي متأخر. حين تُسحق العدالة الاجتماعية، لا يولد الاستقرار، بل يتغذّى التطرّف.
في الخلاصة، فإن اختطاف مادورو، إن حصل، لا يُقرأ كحدث محلي أو مغامرة سياسية معزولة، بل كمحاولة لإعادة رسم توازنات العالم عبر كسر رموز المقاومة. لكنها محاولة قصيرة النظر، لأن التاريخ أثبت أن الأفكار لا تُختطف، وأن التوازن لا يُلغى بالقوة، وأن كل فراغ يُترك في السياسة، إن لم يملأه العدل، تملؤه وحوش أشد قسوة.
