من فنزويلا إلى ليبيا: كيف تُعيد الطاقة رسم خرائط النفوذ الأميركي؟
مصباح العلي
عندما أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح قنوات التواصل النفطي مع فنزويلا، رغم سنوات من العقوبات والقطيعة السياسية، لم يكن ذلك انعطافًا أيديولوجيًا ولا تساهلًا مع نظام كاراكاس، بل قرارًا براغماتيًا تحكمه حسابات الطاقة الصِرفة. فقد أظهرت التجربة الفنزويلية أن واشنطن، حتى وهي مُصدّر صافٍ للطاقة، لا تزال تتعامل مع النفط والغاز بوصفهما أداتين استراتيجيتين لإدارة التوازنات الدولية، والتحكم بالأسواق، والضغط أو المساومة عند الضرورة.
من هذا المنظور، لا تبدو ليبيا حالة استثنائية، بل حلقة أخرى في سلسلة الحسابات الأميركية المرتبطة بالطاقة، والأمن، والنفوذ، في منطقة المتوسط والساحل الإفريقي.
ليبيا في قلب الحسابات الدولية: الطاقة، الهجرة، وصراع النفوذ
لم تعد ليبيا مجرّد ساحة نزاع داخلي مؤجل، ولا ملفًا إقليميًا ثانويًا يمكن احتواؤه بالمسكّنات السياسية. بل تحوّلت، خلال السنوات الأخيرة، إلى عقدة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح الطاقة، وأمن المتوسط، والتحولات الجيوسياسية في الساحل الإفريقي، وصراع النفوذ الدولي بين القوى الكبرى.
ورغم تحوّل الولايات المتحدة إلى مُصدّر صافٍ للطاقة، فإن أمن الطاقة الأوروبي ما يزال عنصرًا محوريًا في الحسابات الأميركية. فاستقرار أوروبا لا يُقرأ في واشنطن كمسألة قارية منفصلة، بل كجزء من معادلة أوسع تتصل بالمنافسة مع روسيا، وبقدرة الحلف الغربي على الصمود في وجه أزمات الإمداد والابتزاز الجيوسياسي.
ليبيا وميزان الطاقة في المتوسط
في هذا السياق، تبرز ليبيا كـ ورقة طاقة إضافية في معادلة المتوسط، ليس فقط بحجم احتياطاتها أو مستوى إنتاجها، بل بموقعها الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية، وبقابليتها – إذا ما استقر وضعها الأمني – للمساهمة في تعويض جزء من الاعتماد الأوروبي على النفط والغاز الروسي، أو على الأقل دعم سياسة تنويع مصادر الإمداد.
ومن هنا، لا يُنظر إلى النفط الليبي في واشنطن باعتباره شأنًا اقتصاديًا داخليًا، بل كعنصر قابل للتوظيف ضمن مساومات استراتيجية أوسع، سواء مع موسكو أو حتى مع بعض العواصم الأوروبية. فأي تعطيل طويل الأمد لإنتاج النفط الليبي، أو سيطرة طرف غير مرغوب فيه على منشآت استراتيجية، يُعدّ تلقائيًا تهديدًا مباشرًا لمعادلة الطاقة في حوض المتوسط.
الهجرة: ليبيا بوابة أوروبا الجنوبية
إلى جانب الطاقة، تحتل ليبيا موقعًا مركزيًا في ملف الهجرة غير النظامية. فمسار وسط المتوسط، الذي تمر عبره الأراضي والسواحل الليبية، لا يزال أحد أخطر وأهم طرق الهجرة في العالم.
وعليه، فإن أي ترتيبات تؤدي إلى:
ضبطٍ أفضل للسواحل الليبية،
تقليص اختراق الحدود الجنوبية،
تفكيك شبكات تهريب البشر وجعلها أكثر عرضة للملاحقة والعقاب،
تتحوّل إلى مصلحة مشتركة تجمع بين روما وبروكسل وواشنطن، رغم التباينات الواضحة في المقاربات الحقوقية والسياسية. فالهجرة، بالنسبة لأوروبا، مسألة استقرار داخلي، وبالنسبة للولايات المتحدة، ملف مرتبط بأمن الحلفاء ومنع تفكك الأطراف الجنوبية للمتوسط.
الجنوب الليبي: الفراغ الأخطر
غير أن جوهر الرهان الدولي على ليبيا لا يتوقف عند الساحل أو النفط فقط، بل يمتد بعمق إلى الجنوب الليبي. فوفق الرؤية الأميركية بعيدة المدى، يحتل إصلاح قطاع الأمن وإدارة الحدود – ولا سيما في الجنوب – موقعًا محوريًا.
فالجنوب الليبي:
نقطة التقاء لشبكات تهريب السلاح والبشر والوقود،
ساحة مفتوحة لتحركات جماعات مسلحة ومرتزقة،
وعمق خلفي لصراعات الساحل الإفريقي.
وأي تركٍ لهذه المنطقة كـ فراغ أمني لا يعني فقط تهديد الداخل الليبي، بل فتح مسار اضطراب يمتد من المتوسط شمالًا إلى عمق إفريقيا جنوبًا.
صدى انقلابات الساحل وصراع النفوذ الدولي
تتضاعف أهمية الجنوب الليبي في ظل التحولات المتسارعة في دول الساحل الإفريقي – مالي، النيجر، بوركينا فاسو – من الانقلابات العسكرية، إلى انسحاب القوات الفرنسية والأوروبية، وصولًا إلى تصاعد الحضور الروسي بأشكاله الأمنية والعسكرية.
هذه التحولات لا تتوقف عند حدود تلك الدول، بل ترتد مباشرة إلى الجنوب الليبي، حيث تتقاطع مسارات التهريب، وتتشابك تحركات الجماعات المتطرفة، ويتزايد حضور المرتزقة، ما يجعل المنطقة ساحة تماس مباشر بين مشاريع نفوذ متنافسة.
ليبيا… مفصل استراتيجي لا أزمة معزولة
في ضوء ما سبق، لم تعد ليبيا تُختزل في سؤال الحل السياسي أو توحيد المؤسسات فحسب، بل أصبحت مفصلًا استراتيجيًا في معادلات الإقليم والنظام الدولي. فاستقرارها أو انهيارها ينعكس مباشرة على:
أمن الطاقة الأوروبي،
توازنات المتوسط،
مسارات الهجرة،
واستقرار الساحل الإفريقي.
ولهذا، تبقى ليبيا حاضرة في الحسابات الدولية، لا بوصفها دولة مأزومة فقط، بل كـ ساحة اختبار حقيقية لكيفية إدارة القوى الكبرى لمعادلات الطاقة والنفوذ في عالم يتغيّر بسرعة.
