التدخل العسكري السوري المحتمل في لبنان: تحدٍ إقليمي أمني وسياسي جديد!!

التدخل العسكري السوري المحتمل في لبنان: تحدٍ إقليمي أمني وسياسي جديد!!

د. مريم عبدالله اسحق


لا تزال المفاوضات الدبلوماسية جارية على قدم وساق بعد إعلان توقّف العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل من جهة، وإيران من جهة. والهدف هو التوصل لاتفاق دولي ينهي حالة الصراع في منطقة الخليج العربي. وعلى الرغم من أن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكن على ما يبدو لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل تحقيق الهدف الأساسي لهذه الحرب، وهي إسقاط نظام الخميني. فقد تم دعم الحراك الشعبي الإيراني قبل بدء الصراع المسلح، إلا أن ذلك الحراك لم يكن قادراً على اسقاط النظام. وعلى الرغم من الخسائر العسكرية واللوجستية والاقتصادية التي ألمّت بإيران، لا يزال النظام الإيراني قادراً على فرض معادلات عسكرية وسياسية في المنطقة بمواجهة التحالف الأمريكي الاسرائيلي.
في السياق ذاته، تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإحباط القدرات النووية الإيرانية، وهي التهديد الأبرز بالنسبة لها ولحلفائها، وقد صرّح ترمب عن موافقة النظام الإيراني على نزع اليورانيوم المخصّب والسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية بالدخول إلى مواقع المفاعلات النووية الإيرانية. إلا أن هذا الأمر لم يجري تأكيده بعد، خصوصاً وأن المهلة المحددة لإنهاء التفاوض وإبرام اتفاق نهائي لا تزال مستمرة، وهنالك العديد من الخلافات التي قد تعرقل إبرامه.
من الناحية العملية، تمتلك إيران عدة أوراق ضغط بالإضافة للملف النووي، وهي مسألة الحلفاء الخارجيين التابعين لها، سواء في العراق أو لبنان أو اليمن. وقد شكل هؤلاء الحلفاء العامل الأبرز في الحرب الأخيرة، لا سيما بعد الإعلان عن التزامهم بمبدأ وحدة الساحات والمواجهة المشتركة تجاه الولايات المتحدة واسرائيل. وحالياً، تضغط إيران بقوة لإبقاء هذا المبدأ قيد العمل في أي اتفاق دبلوماسي من الممكن إبرامه، في حين تصر الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل على ضرورة فصل الملفات عن بعضها البعض والزام إيران بالتخلي عن دعم وكلائها الخارجيين.
يشكل وجود حزب الله في لبنان عامل استراتيجي مهم بالنسبة لإيران، فبعد البدء بالمفاوضات الدبلوماسية، قامت ايران بالرد عسكرياً على اسرائيل عقب استهدافها للضاحية الجنوبية في لبنان. وقد كان هذا الأمر بمثابة رسالة بأنها لن تقبل المساس بحزب الله، وأن ملف الحلفاء الخارجيين هو جزء رئيسي من أي اتفاق دبلوماسي من الممكن ابرامه معها. لكن هذا الأمر أدى لامتعاض اسرائيلي تجاه موقف الإدارة الأمريكية التي تضغط على تل أبيب لأجل القبول ببنود الاتفاق والامتناع عن القيام بعمليات عسكرية في لبنان. ولكنها بالمقابل، لن تكون قادرة على معارضة المصالح الاسرائيلية تجاه خصومها، حيث تضغط بالتوازي مع ذلك لإبرام اتفاق سلام مع لبنان عبر التوسّط في مفاوضات مشتركة تجري بين الحكومة اللبنانية والاسرائيلية في واشنطن.
مؤخراً، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصريحات إعلامية متعددة حول نيته الاعتماد على الرئيس السوري “أحمد الشرع” لإنهاء وجود حزب الله في لبنان، وقد يكون هذا الأمر مرتبطاً بخطة بديلة أو على الأقل موازية لإنهاء ملف الحلفاء الخارجيين لإيران في المنطقة دون التأثير على الاتفاق معها، بحيث يتم إنهاء التهديد الذي يشكله حزب الله لاسرائيل من خلال طرف ثالث. إلا أن هذا الأمر قد يكون مجرد ورقة ضغط سياسية على إيران لقبول الاتفاق بالشروط الأمريكية. ومع ذلك، لا بد من قراءة هذه التصريحات استراتيجياً والأخذ بعين الاعتبار أنها تشير لاحتمال شن عمل عسكري سوري فعلي تجاه الأراضي اللبنانية. فمؤخراً، انتشرت تقارير إعلامية حول قيام الجيش السوري بإرسال تعزيزات عسكرية إلى منطقة الحدود اللبنانية، وقد جاء هذا التحرك في سياق إنكار أي نية للتدخل العسكري في لبنان من قبل الرئيس”أحمد الشرع” ، مشدداً على أن حل أية أزمات قد يتم من خلال الجهود السياسية والدبلوماسية. وهو ما يتناقض مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وما يحدث فعلياً على الأرض.
هنالك عدة مسائل يجب أخذها بعين الاعتبار بخصوص أي عملية عسكرية سورية محتملة داخل الأراضي اللبنانية، أولها الوضع الداخلي في سوريا وارتباطه بالملفات الإقليمية الأوسع. فهذه الفرضية، وعلى الرغم من جاذبيتها النظرية، تصطدم بمجموعة من الإشكاليات البنيوية، أولها مرتبط بقدرة الرئيس الشرع على فرض قرار استراتيجي بهذا الحجم داخل المنظومة التي يقودها. فالبنية التنظيمية لهذه البنية تشكّلت سابقاً ضمن سياق راديكالي عابر للحدود، وتضم مجموعة من التيارات التي قد ترى في الدخول بحرب مباشرة مع حزب الله أو الحشد الشعبي خياراً بعيداً عن أولوياتها.
أما من حيث الحسابات السياسية للرئيس الشرع نفسه، فقد يبدو الانخراط بحرب مباشرة مع حزب الله أو الحشد الشعبي وسيلة مفيدة لتصدير الأزمات الداخلية التي تعصف بمنظومته، وإعادة إنتاج شرعيته أمام حاضنته الشعبية الداخلية. لا سيما بعد الانقسام السياسي الحاد بين المكونات الاجتماعية في سوريا، واستشراء الفساد السياسي والإداري على الصعيد الداخلي، لذلك، فالدخول بمواجهة عسكرية من هذا النوع قد يسمح له بتعبئة جديدة لقاعدته مستفيداً من حالة العداء تجاه حزب الله الذي شارك نظام الأسد سابقاً في النزاع المسلح الذي بدأ في العام 2011.
هذا الاحتمال يحمل في طياته مخاطر استراتيجية هائلة، إذ أن فتح جبهة من هذا النوع لن يبقى محصوراً في مواجهة ثنائية مع حزب الله. فمن المرجح أن تتفعل جبهة قتال إقليمية يشترك فيها الحشد الشعبي من جهة العراق، وسيفتح احتمالية كبيرة لاستهداف الأراضي السورية من قبل إيران بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرّة، وهو ما يفوق قدرة السلطة السورية الجديدة عسكرياً على الصمود. فإيران التي استهدفت اسرائيل بصورايخ بالستية رداً على قصفها للضاحية الجنوبية، لن تتوانى عن استهداف سوريا في حال قررت السلطة الانتقالية الشروع بعمل عسكري داخل الأراضي اللبنانية.
في هذا الصدد أيضاً، تثير المقارنة الموضوعية بين القدرات القتالية للطرفين تساؤلات جدية حول نتائج مثل هذه المواجهة، فحزب الله يمتلك خبرة قتالية طويلة تراكمت لديه خلال السنوات السابقة، ولدى مقاتليه خبرة ميدانية واسعة، ولا يزال يحظى ببنية عسكرية تنظيمية أكثر تماسكاً من معظم الفصائل التي تخضع لسيطرة الرئيس “الشرع”. وهو ما سيؤدي لخسارة ميدانية محتملة في حال اتخاذ القرار بالدخول البري إلى الأراضي اللبنانية. ومن جانب أخر، ليس من المعروف حتى الآن ما إذا كان هذا الأمر سيحظى بقبول خليجي وتركي، فتركيا التي تدعم السلطة الانتقالية في سوريا لن تبادر لقبول أي تدخل عسكري سوري في لبنان. وكذلك الأمر بالنسبة للعديد من الدول العربية الخليجية التي ستضغط ربما على الولايات المتحدة في هذا الشأن.
السؤال الأهم في هذا الصدد يتمحور حول موقف الدولة اللبنانية. إذ أنه لم يصدر أي تصريح رسمي من قبل الحكومة اللبنانية حول هذا الأمر. فمجرد طرح هذا الاحتمال يعكس خطورة المرحلة التي يمكن أن يدخلها لبنان، إذ قد يتحول إلى مساحة تقاطع نفوذ بين أطراف متعددة، لا سيما سوريا وإيران وإسرائيل، مع حضور غير مباشر للولايات المتحدة. هذا النوع من التشابك لا يعني مجرد تصعيد أمني، بل يشير إلى انتقال لبنان من كونه ساحة تأثير غير مباشر إلى ساحة تداخل استراتيجي أكثر كثافة، ما يضعف قدرة الدولة على ضبط التوازن الداخلي.
انعكاس ذلك على الداخل اللبناني سيكون كارثياً. فمن جهة، من المرجح أن يتجدد الانقسام السياسي الداخلي حول موقع لبنان في هذا الصراع المركب، لكن ضمن سياق أكثر حدة وتعقيداً من السابق. ومن جهة ثانية، فإن الاقتصاد اللبناني الهش سيكون عرضة لضغوط إضافية، سواء عبر تراجع الثقة الاستثمارية أو ارتفاع المخاطر الأمنية أو احتمال اتساع موجات عدم الاستقرار. ويضاف إلى ذلك أن الصراع المحتمل قد يتوسّع ليشمل مناطق أخرى في الداخل اللبناني، خاصة في ظل وجود انقسام طائفي، وفي ظل وجود عدد كبير جداً من اللاجئين السوريين الذين قد ينخرطوا في الصراع المحتمل.
يضاف إلى ذلك طبيعة وتركيبة الجيش السوري الجديد، فقد أفادت العديد من التسريبات الإعلامية عن إعادة تموضع للمقاتلين الأجانب من الأيغور والشيشان والأوزبك على الحدود اللبنانية السورية. وقد شارك هؤلاء سابقاً في العمليات العسكرية التي شنتها قوات السلطة الانتقالية ضمن عدد من المناطق السورية، حيث جرى ارتكاب انتهاكات مجازر جماعية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وهو ما قد يتكرر في لبنان في حال دخولهم إلى أية مناطق لبنانية، حيث سيكون ارتكاب تلك الانتهاكات مرتبطاً بالديناميات الطائفية.
حالياً، الدولة اللبنانية مطالبة بموقف رسمي واضح لرفض أي شكل من أشكال التدخل الأجنبي في لبنان، فهو بتكوينه السياسي والاجتماعي المعقّد لن يقبل بأي تجربة جديدة لوصاية عسكرية أو أمنية سورية، خاصة بعد تجربة 30 سنة من الوصاية العسكرية لنظام الأسد. وفي المقابل، فإن الجيش اللبناني كمؤسسة دستورية محورية، مهمته الأساسية حماية الحدود والسيادة ومنع أي اعتداء خارجي، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي ضمن الإطار الدستوري والقانوني للدولة. غير أن هذه المهمة، رغم أهميتها، تبقى مقيدة بواقع الإمكانات والتوازنات، ما يجعل خيار الانزلاق إلى المواجهة العسكرية المباشرة خياراً شديد الخطورة على الدولة ككل، وليس على طرف واحد فقط.

Spread the love

Maysaa Haydar