أحداث كبرى تلوح في أفق الاقليم.. ماذا عن لبنان؟

أحداث كبرى تلوح في أفق الاقليم.. ماذا عن لبنان؟

بقلم محمد حمية

يبدو واضحاً أن الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان عموماً والضاحية الجنوبية لبيروت خصوصاً تتمحور حول الأهداف التالية:
*استفزاز حزب الله لجره الى حربٍ شاملة بالتوقيت الإسرائيلي وبدعم أميركي لكي تكون فرصة لاستكمال القضاء عليه وتفكيك كل منظومته العسكرية والجهادية قبل استكمال عملية إعادة استنهاض قواه وترميم ذاته والعودة الى الميدان بقوة.. إن الإيقاع بحزب الله في هذا الفخ يُسهل تطبيق المشروع الأميركي الترامبي – الإسرائيلي نتانياهو بنسخته اللبنانية.
*إلغاء القرار الأممي 1701 وآلياته التنفيذية وفق ما قال الرئيس نبيه بري وتكريس الاحتلال وتحويل الجنوب والضاحية والبقاع الى ضفة شمالية على غرار الضفة الغربية، واستكمال الحرب العسكرية وعمليات التصفية والاغتيالات بالإستناد الى ورقة الضمانات الأميركية السرية والى ما تعتبره إسرائيل اختلالاً بموازين القوى لصالحها، تمهيداً للتفاوض تحت النار والقتل والتهديد لفرض خيارات أخرى لاحقاً كالسلام والتطبيع.
*الضغط على بيئة المقاومة لاستكمال خلخلة المنظومة النفسية والمعنوية للمجتمع المقاوم الكلي، وكي الوعي الجمعي واستبداله بخلق حالة انتفاضة ضد خيار المقاومة والمطالبة بخيارات أخرى تطرح كحلول إنقاذية والنجاة من الأسوأ (خيار الحرب والتهجير) كالصلح والسلام والتطبيع..
*تحقيق إنجازات عسكرية وأمنية في الجبهة الشمالية (الجنوب) يجري تسويقها في الداخل الإسرائيلي في تخديم المصلحة السياسية والشخصية لنتانياهو وفرض معادلات الردع على حزب الله بعد اغتيال السيد نصرالله الذي وصفه نتانياهو استناداً الى تقارير أجهزته الأمنية والاستخبارية بأنه “محور المحور ويقود إيران وليست هي من يقوده”.
*الضغط على إيران من بوابة بتر ما تعتبره إسرائيل إحدى الأذرع الإيرانية في المنطقة (حزب الله)، للتفاوض مع إيران وهي وحيدة وفي موقع الضعف وانتزاع المكاسب منها على حساب مصالحها القومية وقضايا حلفائها في المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
اليوم أمام حزب الله ثلاثة خيارات:
*احتواء العربدة الإسرائيلية والتأقلم مع التداعيات والإستمرار باستراتيجيته الجديدة بعد الحرب الأخيرة أي الوقوف خلف الدولة والقرارات الدولية ومراكمة الشرعية لخيار المقاومة في المدى البعيد وإظهار عجز خيار الدبلوماسية عن حماية الجنوب والضاحية والسيادة والحقوق اللبنانية، بموازاة استكمال استجماع عناصر القوة والترميم الداخلي للبنية العسكرية والجهادية والأمنية والتكنولوجية وإيجاد وسائل جديدة للحد من نتائج عنصر الذكاء التكنولوجي الذي تفوقت به إسرائيل والولايات المتحدة في الحرب الأخيرة.
هذا الخيار يتيح له المناورة وتقطيع المرحلة الأصعب بانتظار تغيرات قد تطرأ على الإقليم أو على الساحة الدولية وإنقشاع مشهد استحقاقين حاسمين: طبيعة الخريطة السورية الجديدة والتداعيات على لبنان – والمفاوضات الأميركية – الإيرانية المرتقبة. لكن هذا الخيار يشكل استنزافاً للحزب وسيترك تداعيات معنوية ونفسية واقتصادية على بيئته، وسيدفع الإسرائيلي مستغلاً حلم وصبر الحزب الى استباحة أكبر وتصعيد الضغط العسكري والأمني الى الحد الأقصى من دون الذهاب الى حرب شاملة.
الثاني: الرد بقوة على الإعتداءات الإسرائيلية ولو انجر الى حرب شاملة لإعادة لجم العدو وترميم ما أمكن من معادلات الردع، لكن وفق المعادلات وموازين القوى القائمة من الصعوبة تحقيق ذلك، لا بل سيقدم الذريعة لإسرائيل بتوسيع الحرب على طبق من فضة.
*الثالث: عدم الرد بشكلٍ مباشر وانتظار تجويف الخيارات الدبلوماسية وعجز الدولة عن الردع، وتسهيل عمليات المقاومة الشعبية التقليدية على غرار عمليات العام 1982 أي أهالي القرى ومن كافة الإنتماءات الإيديولوجية استناداً الى البيان الوزاري بـ”حق لبنان بالدفاع عن نفسه وحدوده ضد الإعتداءات الاسرائيلية”، والى القوانين الدولية التي تحفظ حق الشعوب كما الدول بالدفاع عن نفسها في وجه أي عدوان أو احتلال.
*يبقى خيار ربما لن يوافق عليه حزب الله لكن قد لا يستطع منعه، أي السلام مع إسرائيل بحال رضخت الدولة اللبنانية للضغوط الأميركية وسارت سوريا والسعودية بركب التطبيع، فلن يبقى حينها لبنان وحيداً في مواجهة خيار التطبيع، في ظل تلقي لبنان الرسمي رسائل بأن اليد الإسرائيلية ستبقى مغلولة في الجسد اللبناني حتى يرضخ لتشكيل اللجان الثلاثية للتفاوض مع إسرائيل لإطلاق مسار السلام، وهذا ما ستنقله المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس الى لبنان خلال أيام وفق المعلومات.
حزب الله وفق مطلعين على موقفه لن ينساق الى خيارات هدامة ولن يقع في الفخ القاتل، وسيواجه بحكمة وحنكة وصبر على كل الضغوط والخسائر الحالية والمتوقعة، ويراكم عناصر القوة وينتظر المتغيرات ومسارات المنطقة لا سيما المفاوضات الأميركية – الروسية والأميركية – الإيرانية وتطورات الملفين السوري والفلسطيني، وسيعمل على تقليل الخسائر قدر الإمكان.
حزب الله ليس ضعيفاً لكنه ليس بموقع القادر على مواجهة الثور الإسرائيلي والنمر الأميركي بعز قوتهما.
دخلنا في المرحلة الأصعب في مستقبل الصراع في المنطقة، صراع الوجود والمصير، وأمامنا أيام وأشهر وربما سنوات عجاف ونشعر بمزيد من الأخطار والحصار والضيق والتهديد، وقصف الضاحية سيتكرر، ونرتقب أحداث كبرى في الإقليم سترسم مستقبل المنطقة لعقود وربما لقرن، لكن الأخطر هو أن ينجح العدو بإدخال اليأس والخيبة والضعف والخوف في نفوسنا ويقضي علينا بالحرب الإعلامية والنفسية والمعنوية والسياسية من دون أن يتكبد عناء الحرب العسكرية، فتجتاح عقولنا وتنسف نفوسنا وتدمر معنوياتنا قبل أن تقتلنا بصواريخها وتدمر أراضينا وتنسف قرانا ومنازلنا بالمتفجرات. لذلك المطلوب الوحدة المجتمعية والوطنية والتأقلم مع المتغيرات على مستوى المنطقة والعالم وعدم الإنجرار الى الفتنة والتخفيف من السجالات الإعلامية والطائفية وبخاصة على مواقع لتواصل الاجتماعي والنأي بالنفس عن الأحداث في المنطقة لا سيما التطورات في الساحة السورية والتركيز على معالجة الأزمات الداخلية وتعزيز جبهة الصمود في مختلف المناطق وعلى كافة الصعد قدر الإمكان لتقوية الموقف الداخلي وتمرير المرحلة بأقل الخسائر.
ملاحظة: لبنان كله محاصر اليوم وليس المقاومة فقط والظروف الاقليمية والدولية مختلفة كثيرا لا سيما بعد سقوط سوريا وخروجها حتى الآن من الصراع اضافة الى عنصر التكنولوجيا القاتل الذي تتسلح به اسرائيل.. لكن في المقابل منذ عامي 1978 و1982 الى ما قبل العام 2000 كان الوضع في الجنوب أصعب بأضعاف من الآن، حيث كان أغلب الجنوب اللبناني تحت الاحتلال الإسرائيلي وجيش لحد وليس في النقاط الخمس أو المنطقة العازلة بعمق 5 كلم فقط، وكانت المقاومة آنذاك جنيناً مع إمكانات متواضعة من دون بنية تحتية عسكرية كبيرة وعميقة، وليس كما كانت بعد العام 2000 حتى العام 2023، أما الآن فهناك مقاومة موجودة وقوية رغم كل الضربات الموجعة والكبيرة التي تلقتها، لديها تجارب رائدة وطويلة في الحروب، راكمت إنجازات وإنتصارات وأرست معادلات ردع منذ العام 1982 حتى خلال الحرب الأخيرة، وتمتلك قوة وقدرة كبيرة على الصمود والمناورة وصد الهجمة الخارجية والداخلية والصبر على الخسائر الكبيرة المحتملة البشرية والمادية والنفسية، بهدف الحفاظ على الوجود بالحد الأدنى وحماية الوطن حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

Spread the love

adel karroum