لبنان: الخلاف على ما يعنيه البقاء(الاتفاق كمرآة لانقسام إدراك الواقع)

لبنان: الخلاف على ما يعنيه البقاء(الاتفاق كمرآة لانقسام إدراك الواقع)

بقلم نعمت كرّوم

لم يقع الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي–الأمريكي كحدث سياسي، كأن السياسة تعرف كيف تقع الأحداث بشكلٍ مرتب.
بل ظهر كخلل في طريقة ظهور الواقع نفسه، وكأن الواقع قرر أن يتصرف على نحو غير متفق عليه.
منذ لحظة ظهوره، لم يُقرأ الاتفاق، بل جرى توزيع قراءاته مسبقًا.
الواقع السياسي نفسه لا يظهر إلا عبر هذا الاضطراب، وما دونه ليس سوى محاولات لاحقة لترتيب ما لم يعد قابلًا للترتيب.

الحدث الذي لا يُرى
لم يدخل الاتفاق إلى المجال العام كواقعة، بل كاختبار غير معلن لقدرة اللبنانيين على الاتفاق على معنى “الاتفاق”,
ليس الخلاف حول الحدث، بل حول إمكان اعتباره حدثًا.
لا حدث خارج الخطاب

لا يظهر الاتفاق كمعطى ينتظر التفسير، بل كشيء يعبر مباشرة داخل شبكة من الخطابات التي تسبق ظهوره.
اللغة لا تأتي بعد الفهم، بل تعمل كأنها تسبق الواقع نفسه.
الدولة، المقاومة، الطائفة، الخارج، والمجتمع الدولي:
ليست مواقع تفسير، بل مواقع لإنتاج المعنى نفسه، وكل منها يتكلم وكأنه الواقع يُروى من جهته وحده.
هنا لا يكون الخلاف حول الوقائع، بل حول الجهة التي يحق لها أن تنتجها كوقائع.

الانقسام داخل اللغة
في التداول اليومي، لا يُناقش الاتفاق كواقعة، بل يُعاد إنتاجه داخل صيغ جاهزة للحكم عليه قبل التفكير ذاته.
تظهر استدعاءات متكررة لوقائع سابقة مثل 17 أيار، ويُستخدم توصيف “اتفاق العار” كحكم أخلاقي مباشر، ويُبنى الموقف من أي مسار تفاوضي على ذاكرة انهيارات سابقة أكثر من بنية الاتفاق نفسه.
ما يظهر هنا ليس اختلاف رأي، بل اختلاف في شروط اللغة التي تسمح للرأي أن يتشكل.

الذاكرة: صدى الصدمة في الحاضر
الذاكرة ليست خلفية للماضي، بل صدى للصدمة داخل الحاضر، يعيد تشكيل إدراكه لحظة بلحظة.
وفي هذا المستوى، لا تعمل الذاكرة كخلفية، بل كبنية صدمة جماعية مستمرة تُعاد داخل الحاضر بدل أن تُستعاد منه.
الخطاب السياسي وبنية الإنتاج
السياسة لا تبدأ عند التصريحات، بل عند البنى التي تجعل هذه التصريحات ممكنة ومقنعة.
الخطاب السياسي لا يصف الواقع، بل يعيد إنتاجه، لأن كل طرف يستدعي ذاكرته ويعاملها كمرجع وحيد لإنتاج الفهم.
لهذا لا يكون الاختلاف حول ما حدث، بل حول موقع الحدث داخل نظام المعنى ذاته.

الانقسام كمنطق إدراك
كل طرف لا يرى الاتفاق مباشرة، بل يراه من خلال سردية مسبقة: مقاومة، خيانة، سيادة، تطبيع.
الحدث لا يُستقبل كشيء جديد، بل يُدمج فورًا داخل قوالب جاهزة تمنعه من أن يستقر كحدث مستقل.

دقيقتا الكراهية
الانفعال لا يظهر كحالة مفتوحة، بل كزمن مكثف.
لحظة قصيرة يُعاد فيها ترتيب العالم عبر استدعاء صورة العدو، تضخيمها، ثم تثبيتها كحقيقة جاهزة.
هذه اللحظة التي يمكن تسميتها بـ”دقيقتي الكراهية” لا تنتج فهمًا، بل تنتج تماسكًا سريعًا حول انقسام يسبق كل فهم.

لبنان كصراع على معنى البقاء
الخلاف لا يدور حول الاتفاق فقط، بل حول معنى البقاء نفسه.
هل البقاء هو الدولة؟
أم ما يعمل خارجها لضبطها أو حمايتها؟
أم إدارة دائمة لعدم الحسم؟
كل طرف يجيب بثقة، لكن داخل إجابات لا تنطبق بالكامل على الواقع ذاته.

حين يُنتج الانقسامُ الواقع
ما يكشفه الجدل حول الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي–الأمريكي ليس إلا إصرارًا جماعيًا على إنتاج واقع لا يكتمل إلا داخل انقسامه.
ليس الاختلاف حول تفسير حدث واحد، بل حول كيف يمكن لحدث أن يظهر داخل نظام لا يعترف به إلا وهو يفككه.
الحدث لا يأتي أولًا ثم يُختلف عليه، بل يولد داخل هذا الاختلاف نفسه، ويستمد منه شكله ومعناه.
وفي النهاية، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟
بل: كيف يمكن لحدثٍ ما أن يظهر داخل نظام لا يعترف به إلا وهو يفككه.
والجواب لا يأتي بعد الآلية، بل يخرج من داخل دورانها.

Spread the love

Maysaa Haydar