“الموت للمساوم”.,. التفاوض يفجّر صراع السلطة داخل إيران

“الموت للمساوم”.,. التفاوض يفجّر صراع السلطة داخل إيران

بقلم نعمت كرّوم

حين يُتهم رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي بالخيانة بسبب التفاوض، لا يعود الخلاف متعلقًا باتفاق محتمل أو جولة سياسية عابرة. ما ظهر في طهران يكشف صراعًا أعمق داخل النظام: صراعًا حول الاتجاه الذي يجب أن تسلكه الدولة، ومن يملك حق تحديد أولوياتها في مرحلة أصبحت فيها كلفة المواجهة أعلى من أي وقت مضى.

من يفاوض يُتهم بالخيانة
الهتافات التي رفعت شعار “لموت للمساوم”، ورافقتها اتهامات لقاليباف وعراقجي بالخيانة والعمالة بسبب مسار التفاوض، لم تكن مجرد هجوم على شخصين. إنها كشفت مستوى الانقسام داخل النظام نفسه. فعندما يصل الخلاف إلى حد تخوين شخصيات من داخل السلطة، فهذا يعني أن الصراع تجاوز تفاصيل التفاوض وشروط الاتفاق، وأصبح صراعًا على تعريف مصلحة الدولة وحدود التراجع المقبول داخل الجمهورية الإسلامية.
قاليباف وعراقجي ليسا جوهر الأزمة، بل هما يمثلان اتجاهًا داخل النظام يرى أن استمرار الجمهورية الإسلامية يحتاج إلى تخفيف كلفة المواجهة، وإنقاذ الاقتصاد، وإدارة العلاقة مع الخارج بطريقة مختلفة. وفق هذا المنطق، لا تعني البراغماتية التخلي عن المشروع، بل محاولة حماية الدولة من الاستنزاف.
بين إنقاذ الدولة وحماية النفوذ
لكن التيار المتشدد، وفي مقدمته المؤسسات الأمنية والعسكرية التي راكمت نفوذًا واسعًا داخل بنية الدولة، يرى المسألة من زاوية مختلفة. فالتراجع في ملف التفاوض لا يعني بالنسبة إليه مجرد تغيير في التكتيك، بل تهديدًا لأدوات القوة التي بنت عليها إيران نفوذها الإقليمي خلال العقود الماضية.
هنا يظهر جوهر الصراع: ليس بين مؤيدين للتفاوض ومعارضين له فقط، بل بين من يرى أن بقاء الدولة يتطلب خفض كلفة المواجهة، ومن يرى أن الحفاظ على أدوات القوة هو شرط بقاء الدولة نفسها.
فالمعركة داخل إيران لم تعد حول اتفاق واحد أو جولة تفاوضية محددة، بل حول سؤال أكبر: هل تُستخدم أدوات الدولة لحماية المشروع، أم يُعاد ضبط المشروع بما يسمح للدولة بالاستمرار؟
ولهذا خرج الخلاف من غرف القرار إلى الشارع. فعندما يتحول فريق تفاوضي من داخل النظام إلى هدف للاتهام بالخيانة، فهذا يعني أن التوازنات الداخلية لم تعد قادرة على احتواء الصراع بالطريقة القديمة.
قبل ذلك، كان توزيع الأدوار داخل النظام أكثر وضوحًا: حكومة تواجه اقتصادًا مثقلًا بالعقوبات، ودبلوماسية تبحث عن مخارج سياسية، ومؤسسات أمنية وعسكرية تحافظ على عناصر القوة والنفوذ. أما اليوم، فقد أصبح هذا التوازن نفسه موضع مواجهة.
الحرب لم تُسقط النظام الإيراني، لكنها غيّرت حساباته. فقد رفعت كلفة الخيارات القديمة، وأظهرت أن السياسة الخارجية لم تعد منفصلة عن قدرة الداخل على تحمل أعبائها. فكل نفوذ خارجي له كلفة داخلية، وكل تصعيد جديد يفرض سؤالًا حول قدرة الدولة على الاستمرار في دفع هذه الكلفة.
لكن سلوك إيران في هذه المرحلة لا يمكن تفسيره فقط بمنطق الحسابات التقليدية. فالنظام الذي بنى جزءًا من شرعيته على خطاب المواجهة والمقاومة يواجه معضلة صعبة: التراجع قد يُقرأ داخليًا باعتباره هزيمة، والاستمرار في التصعيد يرفع كلفة المواجهة على الدولة.
ولهذا يبدو أن طهران تراهن على استنزاف ما تبقى من أوراقها، وعلى قدرتها التاريخية على تحمّل الضغط وانتظار تغير الظروف. لكن هذا الرهان يواجه مشكلة أساسية: النظام العقائدي لا يستطيع التراجع بسهولة، لأن التراجع لا يعني بالنسبة إليه مجرد تعديل في السياسة، بل قد يُفهم باعتباره تراجعًا عن خطاب وهوية بنى عليهما شرعيته لعقود.
فالخيار أمام طهران لم يعد بين انتصار كامل أو تراجع بسيط، بل بين كلفة الاستمرار في النهج نفسه، وكلفة الاعتراف بأن بعض أدوات هذا النهج أصبحت عبئًا على الدولة.

ما يحدث في طهران تراقبه العواصم
ولا يمكن فهم ما يجري داخل إيران باعتباره خلافًا داخليًا فقط. فالانقسام داخل مراكز القرار الإيراني أصبح عاملًا تراقبه العواصم الإقليمية والدولية، لأن مستقبل النظام لا يؤثر على الإيرانيين وحدهم، بل على توازنات منطقة كاملة.
وقد عكست تقارير نقلتها وكالة رويترز أن بعض الدول الإقليمية تتابع بقلق ما يظهر من تباينات داخل القيادة الإيرانية، خصوصًا بين شخصيات سياسية تدفع نحو مسار أكثر براغماتية، والمؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري التي ترى أن الحفاظ على عناصر القوة الإقليمية جزء من أمن النظام.
ولا تكمن أهمية هذه المعطيات في أنها تحسم طبيعة الخلاف داخل النظام الإيراني، بل في أنها تكشف أن ما كان يُدار داخل المؤسسات أصبح جزءًا من الحسابات الإقليمية.
فباكستان تراقب أي اضطراب واسع داخل إيران من زاوية أمنها المباشر، بسبب الحدود المشتركة وحساسية الملفات القومية والطائفية. وتركيا، رغم تنافسها مع طهران في ملفات عديدة، تدرك أن استقرار إيران جزء من توازن إقليمي لا يمكن تجاهله، لأن انهيار دولة بهذا الحجم قد يفتح أزمات تتجاوز حدودها.
أما دول الخليج، فرغم إدراكها لحجم التهديد الذي يمثله النفوذ الإيراني، فإنها تتحرك وفق معادلة دقيقة: مواجهة قدرة طهران على تهديد أمنها، من دون فتح الباب أمام فوضى قد تكون أكثر خطورة من استمرار النظام نفسه.
فإيران الضعيفة يمكن احتواؤها، أما إيران المتفككة فقد تنتج أزمة يصعب ضبطها.
وفي واشنطن، بقيت المقاربة الأمريكية تاريخيًا أقرب إلى احتواء السلوك الإيراني ورفع كلفة خياراته، لا إلى إسقاط النظام بشكل مباشر. فالولايات المتحدة تدرك أن انهيار دولة بحجم إيران، بما تملكه من موقع جغرافي حساس وثقل سكاني وقدرات عسكرية، قد يخلق فراغًا أمنيًا واسعًا يمتد أثره إلى الخليج وأسواق الطاقة.


لكن هذا لا يعني أن خيار تغيير النظام غائب عن النقاش. فمع اتساع الخلافات حول الملف النووي، وأمن الخليج، والنفوذ الإقليمي، عاد سؤال أكثر جذرية إلى الواجهة: هل تكفي سياسة الضغط والاحتواء لتغيير سلوك إيران، أم أن استمرار النهج نفسه سيدفع بعض القوى إلى البحث عن خيارات أكثر حسمًا؟
ومع ذلك، فإن تغيير النظام ليس قرارًا بسيطًا ولا نتيجة تلقائية للضغط. فالتجارب الإقليمية أظهرت أن سقوط الأنظمة لا يعني بالضرورة قيام بديل مستقر، وأن الفراغ السياسي قد يكون أكثر خطورة من استمرار الخصم.
في المقابل، تبقى إسرائيل الطرف الأكثر تشددًا في مقاربة الملف الإيراني. فهي لا ترى إيران مجرد منافس إقليمي، بل تعتبرها تهديدًا استراتيجيًا مرتبطًا بالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية وشبكة الحلفاء التي بنتها طهران في المنطقة. ولذلك تدفع باتجاه تغيير قواعد التعامل مع إيران، لا الاكتفاء بإدارة الصراع معها.
وفي الداخل الإيراني، تتزامن هذه الضغوط مع غياب المرشد علي خامنئي عن الظهور العلني في لحظة سياسية حساسة. هذا الغياب لا يسمح وحده ببناء استنتاجات حاسمة، لكنه يزيد من غموض المرحلة ويعيد طرح مسألة توازنات مراكز القرار داخل النظام.

طهران أمام كلفة عقود من الصراع
ما يجري في طهران ليس أزمة تفاوض. التفاوض هو السطح فقط، أما العمق فهو صراع على شكل الدولة الإيرانية واتجاهها في المرحلة المقبلة.
فريق داخل النظام يرى أن بقاء الجمهورية الإسلامية يمر عبر تخفيف كلفة المواجهة، وإنقاذ الاقتصاد، واستخدام البراغماتية عندما تخدم استمرار الدولة. وفريق آخر يرى أن أي تراجع في أدوات القوة والنفوذ يعني إضعاف المشروع الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية.
لهذا فإن شعار “الموت للمساوم” يتجاوز الأشخاص الذين استهدفهم. إنه يعكس معركة أكبر داخل إيران: معركة حول من يحدد مستقبل الدولة، وحول ما إذا كانت طهران قادرة على تغيير مسارها من دون أن تتخلى عن الأسس التي قامت عليها.
فالمعضلة الإيرانية اليوم ليست فقط في مواجهة خصومها الخارجيين، بل في الصراع الداخلي حول كلفة المشروع الذي تبنته الدولة لعقود. فالنظام العقائدي لا يستطيع التراجع بسهولة، لأن التراجع لا يعني بالنسبة إليه مجرد تغيير في السياسة، بل قد يُفهم باعتباره تراجعًا عن خطاب وهوية بنى عليهما شرعيته.
لذلك يجد نفسه أمام معادلة صعبة: الاستمرار في النهج نفسه يرفع كلفة المواجهة، والتراجع عنه يفتح مواجهة داخلية حول الأسس التي قامت عليها منظومة النفوذ كلها.

Spread the love

Maysaa Haydar