عندما يصبح الحليف عدوًا: إسرائيل التي لا تحتمل كلمة «لا»
نعمت كرّوم
لم تصبح بريطانيا «جمهورية إسلامية»، ولم يتحول نظامها السياسي إلى حكم ديني. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اختار أن يصفها بهذه العبارة، في لحظة لم يعد فيها الخلاف بين حكومته والحكومة البريطانية مجرد تباين دبلوماسي.
في أغسطس/آب، وصف نتنياهو بريطانيا بـ«الجمهورية الإسلامية لبريطانيا»، ثم ربط هذا الوصف بفكرة الدولة الإسلامية التي تمتلك سلاحًا نوويًا، مستعيدًا بذلك تعبيرًا سبق أن استخدمه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
لم يكن نتنياهو يصف تحولًا دستوريًا أو سياسيًا وقع في بريطانيا؛ كان يصف تحولًا في موقفها من إسرائيل. بريطانيا اعترفت بالدولة الفلسطينية، وعلّقت بعض تراخيص تصدير السلاح إلى إسرائيل، وفرضت عقوبات على وزراء إسرائيليين، ورفعت لهجة اعتراضها على الاستيطان، فيما ظلت في الوقت نفسه تؤكد أمن إسرائيل وتدين هجمات حماس.
هذه التفاصيل مهمة، لأنها تكشف أن التحول لم يكن في هوية بريطانيا، بل في حدود دعمها لإسرائيل.
وهنا تكمن دلالة العبارة. حين يعجز الخطاب السياسي عن التعامل مع اختلاف الحليف بوصفه اختلافًا، يبدأ في إعادة تصنيفه. بريطانيا التي كانت جزءًا من البيئة الغربية الداعمة لإسرائيل تصبح، بمجرد أن تتخذ مواقف أكثر انتقادًا، دولة يُعاد تقديمها للجمهور الإسرائيلي بوصفها واقعة تحت تأثير «الإسلام».

المسألة ليست عدد المسلمين في بريطانيا. المسلمون يشكلون أقلية كبيرة في المجتمع البريطاني، لكنهم لا يحكمون الدولة ولا يحددون نظامها السياسي. تحويل وجودهم الاجتماعي والسياسي إلى تفسير لبريطانيا كلها ليس وصفًا للواقع، بل تضخيم لعامل واحد حتى يصبح مفتاحًا لتفسير دولة بأكملها.
والأكثر دلالة أن نتنياهو لم يكتفِ بإدخال الإسلام في وصف بريطانيا، بل ربط هذه الصورة بالسلاح النووي وإيران. هنا تتسع المسافة بين الواقع والخطاب: من أقلية دينية داخل دولة غربية إلى صورة «جمهورية إسلامية»، ومن الصورة إلى السلاح النووي، ومنه إلى إيران. هكذا تُجمع عناصر متباعدة في الواقع داخل صورة واحدة للتهديد.
المفارقة أن باكستان تحمل رسميًا اسم «جمهورية باكستان الإسلامية» وتمتلك السلاح النووي منذ عام 1998. لكن قيمة المفارقة ليست في تصحيح نتنياهو، بل في كشف الطريقة التي يُستخدم بها الربط بين الإسلام والنووي والتهديد داخل الخطاب السياسي.
ولم تأتِ عبارة نتنياهو من فراغ. فقد أشار هو نفسه إلى أن التعبير سبق أن استخدمه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس. وهذا يكشف أن الصورة أوسع من تصريح منفرد؛ هناك خطاب سياسي غربي بات يستخدم صعود الإسلام أو الخوف منه كأداة لتفسير التحولات السياسية التي لا تخدم إسرائيل.
إذا كانت بريطانيا في الخارج هي «الحليف الذي ابتعد»، فإن إيتمار بن غفير يقدم في الداخل صورة أخرى لسياسة العدو.
إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي وزعيم حزب «القوة اليهودية»، تحدث علنًا عن قتل 30 إلى 40 فلسطينيًا في غزة كل ليلة، وقال إن بعض من وصفهم بأعداء إسرائيل «ليسوا حتى بشرًا». نحن هنا أمام مسؤول حكومي، لا أمام معلّق مجهول أو شخصية هامشية. صحيح أنه لا يملك سلطة عسكرية مباشرة لإصدار أوامر للجيش، لكن موقعه السياسي يجعل كلامه جزءًا من المشهد الذي تُصاغ فيه سياسة الحرب.
في الحالتين، لا يعود الأمر متعلقًا بتصريحين منفصلين. نتنياهو يعيد تعريف الحليف المختلف بوصفه جزءًا من فضاء العدو، وبن غفير يدفع نزع إنسانية الفلسطيني إلى أقصى مداه. بينهما تتشكل سياسة كاملة: توسيع دائرة العدو، وتضييق دائرة من يستحق الحماية.
حين يصبح تحويل الآخر إلى عدو وسيلة لتبرير إقصائه وسلبه حقوقه، لا نكون أمام خلاف سياسي عابر، بل أمام سياسة تقوم على توسيع دائرة من يمكن إخراجه من دائرة الحماية. هناك معركة ملحّة اليوم ضد الفاشية، أيًا كان اسمها أو موقعها أو الجهة التي تمارسها. ولا يمكن أن تكون حماية الإنسان انتقائية، ولا أن يصبح الانتماء الديني أو القومي حصانة أمام المساءلة.
ومن هنا يصبح الحديث عن الصهيونية أكثر إلحاحًا. حين تتحول الصهيونية إلى مشروع ينكر حقوق الفلسطينيين ويمارس التمييز والعنف باسم مشروع قومي، فإن نقد هذا المشروع ليس معاداة للسامية. استخدام تهمة معاداة السامية لإسكات كل نقد للصهيونية لا يحمي اليهود من العنصرية؛ بل يفرغ مكافحة العنصرية من معناها ويمنح الإفلات من المساءلة غطاءً سياسيًا.
خطاب نتنياهو لا يكشف خطأً في وصف بريطانيا فقط؛ بل يكشف تصورًا للعلاقة مع الحلفاء: الاختلاف مقبول ما دام لا يتعارض مع المصالح الإسرائيلية ولا يتحول إلى إدانة لسياساتها. أما حين يبدأ الحليف في وضع حدود لدعمه، يصبح هو نفسه موضع تشكيك، ويُعاد تقديمه بوصفه جزءًا من المشكلة.
وهذه هي الدلالة السياسية الأهم. إسرائيل لا تواجه اليوم خصومها التقليديين فقط؛ إنها تواجه أيضًا تآكلًا في قدرتها على افتراض أن دعم الحلفاء الغربيين لها سيبقى بلا شروط.
حين يصبح الحليف خصمًا بمجرد أن يقول «لا»، وحين يتحول الفلسطيني من إنسان إلى رقم في خطاب مسؤول حكومي، فإن المسألة تتجاوز شخص نتنياهو أو بن غفير. إنها تكشف أزمة سياسية أعمق: أزمة مشروع يريد الدعم الدولي، لكنه يرفض الكلفة السياسية والأخلاقية المترتبة على أفعاله.
في النهاية، بريطانيا لم تصبح إسلامية. الذي تغيّر هو أنها بدأت تقول لإسرائيل إن التحالف لا يعني الموافقة الدائمة. وحين يصبح قول «لا» سببًا كافيًا لإخراج الحليف من دائرة الحلفاء، فإننا لا نكون أمام أزمة في التحالف، بل أمام مشروع سياسي لا يحتمل المساءلة.

