من قُصرة إلى E1.. كيف تُعاد هندسة الضفة بالقوة
نعمت كرّوم
في قُصرة، حاصر مستوطنون إسرائيليون مسلحون ثلاثة منازل فلسطينية في منطقة رأس العين. نصبوا خيامًا أمامها، وقطعوا عنها الماء والكهرباء، وأغلقوا طرق الوصول إليها، فيما بقيت عائلات بينها أطفال محاصرة داخل بيوتها. ثم أعلن الجيش الإسرائيلي المنطقة المحيطة منطقة عسكرية مغلقة، فمنع الفلسطينيين والنشطاء والصحفيين من الوصول إليها. هكذا لم يعد الحصار فعلًا ينفذه مستوطنون فحسب؛ صار واقعًا تحرسه أوامر عسكرية، فيما تُرك أصحاب المنازل بلا ماء ولا كهرباء، وتحت ضغط مباشر يدفعهم إلى الخروج.
في مثل هذا المشهد، تصبح عبارة «عنف المستوطنين» وصفًا ناقصًا. فهي تختزل الجريمة في الفاعل المباشر، بينما تكشف الوقائع سلسلة مترابطة من الإكراه: حصار، وقطع للماء والكهرباء، وإغلاق عسكري، ومنع للحركة، ثم دفع السكان إلى مواجهة خيار لم يصنعوه. وعندما يسمى هذا الخيار «رحيلًا»، تُمحى القوة التي سبقته من اللغة؛ يتحول التهجير إلى حركة للسكان، ويظهر الإكراه كأنه قرار اختياري.
قُصرة ليست حادثة منفصلة عن الأرض المحيطة بها. فقد صودرت أراضي البلدة لصالح مستوطنة «مجداليم»، فيما ارتبطت بؤر استيطانية قريبة، بينها «إيش كودش»، باعتداءات ومحاولات للسيطرة على الأراضي الزراعية الفلسطينية. لذلك لا يمكن فصل ما يحدث داخل ثلاثة منازل عما يحدث حولها: البيت يُحاصر، والأرض تُنتزع، والسكان يُدفعون خطوة بعد أخرى خارج بيوتهم وأرضهم.
إذا كانت قُصرة تكشف ما يحدث للبيت والأرض من الداخل، فإن E1 يكشف ما يجري للضفة على مستوى الخريطة.
قرار الحكومة الإسرائيلية نشر مناقصات البناء في مشروع E1 ليس مجرد توسع استيطاني جديد. فالموقع يقع في نقطة يمكن أن تقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، وتحوّل الأرض الفلسطينية المتصلة إلى مناطق منفصلة تحاصرها الكتل الاستيطانية. لذلك لا يتعلق الأمر بعدد الوحدات التي ستُبنى فقط، بل بما ستفعله هذه الوحدات بالخريطة التي يفترض أن تقوم عليها أي دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وهنا يقترب المشهد من معنى الضم، حتى من دون إعلان قانوني مكتمل. فالضم لا يبدأ بالضرورة بقرار يغيّر اسم الأرض؛ يمكن أن يبدأ حين تُنتزع الأرض، ويُدفع سكانها إلى الخروج، وتتوسع المستوطنات، ثم تنتقل صلاحيات إدارة المكان تدريجيًا إلى مؤسسات الدولة التي تتعامل معه كجزء من مجالها السيادي.
في قُصرة يظهر هذا المسار على مستوى البيت والأرض. وفي E1 يظهر على مستوى الجغرافيا. وفي نقل الصلاحيات من الإدارة العسكرية إلى السلطات المدنية يظهر على مستوى بنية الحكم نفسها.
وفي هذا السياق، تكتسب خطوة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس دلالتها. ففي 14 أغسطس، وجّه الجيش إلى إعداد خطة لنقل مسؤولية إنفاذ القانون المدني المتعلقة بالإسرائيليين في الضفة الغربية من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية. وفي 17 أغسطس، أُعطي الجيش مهلة أسبوعين لتقديم الخطة. أي أن النقل لم يكن قد تم، لكن الانتقال المؤسسي طُرح رسميًا وبدأت إجراءات الإعداد له.
وهذه الخطوة ليست تفصيلًا إداريًا. فهي تنقل النقاش من كيفية التعامل مع المستوطنين إلى الجهة التي تتولى إدارة وجودهم وإنفاذ القانون عليهم، بالتوازي مع نقل صلاحيات إدارة الضفة تدريجيًا من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية. وبذلك تتحول السيطرة من إجراء عسكري مؤقت في أرض محتلة إلى بنية مؤسسية تسعى إلى تثبيتها وتطبيعها. عندها لا يعود الاستيطان مجرد وجود إسرائيلي على أرض محتلة؛ يصبح جزءًا من ترتيب إداري وقانوني يرسّخ السيطرة عليها.

وجاء الاعتراض هذه المرة في بيان مشترك لبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والنرويج وكندا. وصف البيان قرار طرح مناقصات E1 بأنه غير مقبول، وحذّر من أن المشروع سيضرب التواصل الجغرافي بين الأراضي الفلسطينية ويقوّض حل الدولتين. والأهم أنه لم يكتفِ بالإدانة؛ فقد دعا الحكومة الإسرائيلية إلى سحب خططها فورًا، وطالب الشركات بعدم التقدم للمناقصات، محذرًا من العواقب القانونية والسمعة المترتبة على التورط في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
لكن المفارقة أن القانون يعرف ما يحدث، والدول تعرف، والوقائع لم تعد تحتاج إلى برهان إضافي. ومع ذلك يستمر الواقع في التحرك.
هنا تكمن المشكلة الحقيقية: الفجوة بين الاعتراف بالانتهاك وبين امتلاك الإرادة السياسية لوقفه. فالإدانة لا توقف مناقصة، والتحذير لا يهدم مستوطنة، والبيان لا يعيد أرضًا صودرت. ما يوقف المشروع هو الإجراء: عقوبات، ومساءلة قانونية، وحماية للمدنيين، ومنع للشركات من المشاركة في مشاريع تقوم على هذا التوسع الاستيطاني.
حين يبقى القانون في صيغة بيانات، يستطيع الواقع أن يتقدم بينما تتراكم الإدانات خلفه. والصمت في هذه الحالة ليس حيادًا؛ لأن طرفًا يملك القوة يواصل تغيير الأرض، فيما الطرف القادر على الضغط يكتفي بوصف ما يحدث.
لهذا لا ينفصل الحدثان. قُصرة تُظهر كيف تُفرض السيطرة على البيت والأرض، وE1 كيف تُثبت على الخريطة. وبين الحصار والمناقصة، تتكامل حلقات السيطرة: يُحاصر الفلسطيني في بيته، تُقطع عنه شروط البقاء، تُنتزع الأرض من حوله، ثم يأتي الاستيطان ليملأ المكان الذي أُجبر على تركه.
وهنا تتجاوز المسألة حدود السيطرة على الحاضر. فعندما تتغير ملكية الأرض، ومسارات الحركة، وحدود التجمعات، والجهة التي تملك القرار، تتغير أيضًا الاحتمالات السياسية التي يمكن أن تُبنى عليها التسوية. لا يعود المستقبل السياسي نتيجة تفاوض حر بين طرفين، بل يصبح مقيدًا بالوقائع التي سبقت التفاوض وصنعتها القوة.
هذا هو المعنى الأخطر للاستيطان: أنه لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يعمل على إغلاق الاحتمالات السياسية التي يمكن أن تُبنى عليها.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للقانون الدولي لم يعد في قدرته على تسمية المستوطنات غير قانونية. هذه التسمية محسومة. الاختبار في قدرته على منع الاحتلال والاستيطان من تحويل هذه الأرض إلى واقع دائم، وفي تحويل المعرفة والإدانة إلى فعل يوقف ما يجري قبل أن يصبح ما فُرض بالقوة هو الواقع الوحيد الذي يتعامل معه العالم.

