دوللي بارتون… حين لا تنسى النجمة طفلتها الفقيرة
نعمت كرّوم
كان من السهل أن تختصر دوللي بارتون في صورتها؛ الشعر الأشقر المرتفع، الملابس البراقة، الأظافر الطويلة، المكياج الواضح، والجسد الذي لم تحاول يومًا أن تجعله أقل حضورًا كي تبدو أكثر جدية. صنعت لنفسها مظهرًا لا يخطئه أحد، حتى بدا أحيانًا أن دوللي تدخل إلى المكان قبل أن تصل إليه، محاطة بذلك البريق الذي صار جزءًا من صورتها في الذاكرة الشعبية. لكنها كانت تعرف ماذا تفعل بهذه الصورة؛ لم تكن غافلة عن الطريقة التي يمكن أن تُقرأ بها المرأة حين تكون شديدة الأنوثة، ولم ترَ في أنوثتها شيئًا يستدعي الاعتذار. احتفظت بالشعر والملابس والمكياج والضحكة، وتركت عملها يتحدث عنها.
على مدى أكثر من ستين عامًا، لم تكن دوللي بارتون مجرد مغنية ريفية (كانتري) ناجحة؛ كانت كاتبة أغنيات وممثلة وصاحبة أعمال بنت لنفسها مكانًا نادرًا في الثقافة الأميركية. عرفت قيمة موهبتها، وعرفت كيف تحافظ على صورتها من دون أن تسمح لها بأن تختصرها.
وراء الصورة كانت هناك كاتبة تعرف كيف تضع حياة كاملة داخل أغنية. كتبت عن الغيرة والخوف والفقد والفراق والحب، ثم كتبت عن النساء العاملات وعن التعب الذي يتركه العمل حين يأخذ من الإنسان وقته وجهده ولا يمنحه في المقابل ما يستحقه. في «Jolene» امرأة تخاف أن تفقد الرجل الذي تحبه أمام امرأة أخرى، وفي «I Will Always Love You» يتحول الفراق إلى اعتراف لا يحتاج إلى كراهية، بينما جاءت «9 to 5» لتضع تعب المرأة العاملة في قلب الثقافة الشعبية الأميركية. كانت تعرف كيف تترك الشخصيات والمشاعر تتحدث، ولذلك وجدت قصصها طريقها إلى جمهور واسع من دون أن تفقد بساطتها.
وحين طلب إلفيس بريسلي تسجيل «I Will Always Love You»، رفضت التخلي عن حقوق نشر الأغنية، وهو قرار أثبت لاحقًا قيمته الهائلة.
وُلدت دوللي عام 1946، واحدة من اثني عشر طفلًا، في كوخ من غرفة واحدة في مقاطعة سيفير بولاية تينيسي. كان والداها يعملان في الأرض التي لا يملكانها، قبل أن يتمكنا لاحقًا من شراء مزرعة صغيرة. لم تكن الكهرباء موجودة في بيتها الأول، لكن الموسيقى كانت هناك. ومن ذلك البيت خرجت إلى ناشفيل، في اليوم التالي لتخرجها من المدرسة الثانوية عام 1964، حاملة رغبة واضحة في أن تكون مغنية وكاتبة أغنيات في صناعة لم تكن تمنح النساء بسهولة حق امتلاك الصوت والقرار.
ولعل أكثر ما يكشف علاقتها بتلك الطفولة أغنيتها «Coat of Many Colors»، التي كتبتها عام 1971 واستعادت فيها معطفًا خاطته لها أمها من قطع قماش متفرقة. في المدرسة سخر الأطفال من المعطف لأنه بدا لهم علامة على الفقر، لكن دوللي لم تتذكره بهذه الطريقة؛ كانت ترى في كل غرزة الحب الذي وضعته أمها فيه. لم تكن الطفلة تملك ما يملكه الآخرون، لكنها لم تتعلم أن ترى نفسها أقل منهم. وهكذا تحوّل معطف الفقر في ذاكرتها إلى علامة على الحب، وعلى ثروة لا تُقاس بما يملكه الناس في خزائنهم.
ولم تجعلها الشهرة تنظر إلى العمل من موقع النجمة وحده. كانت عضوًا في نقابة الموسيقيين في ناشفيل طوال 58 عامًا، وحرصت على العقود النقابية في تسجيلاتها وجولاتها، بحيث يحصل الموسيقيون الذين يعملون معها على حقوقهم وأجورهم.
لم تكن دوللي بارتون بطلة من الطبقة العاملة لأنها بقيت فيها؛ كانت امرأة خرجت من الفقر، لكنها لم تجعل نجاحها قطيعة مع الذين بقوا فيه.
تحولت «9 to 5» إلى جزء من الثقافة الشعبية، وبقيت قريبة من تجربة المرأة التي تعمل كثيرًا ولا تحصل دائمًا على ما يستحقه عملها.
تزوجت كارل دين عام 1966، وظل زواجهما بعيدًا عن الاستعراض حتى وفاته عام 2025. لم يكن لديهما أطفال.
وحين اتسعت أعمالها، أعادت جزءًا من ذلك النجاح إلى المكان الذي خرجت منه، فدخلت عام 1986 شراكة في مشروع المنتزه الذي أصبح Dollywood في شرق تينيسي، وحوّلت اسمها إلى مشروع ظل مرتبطًا بالمنطقة التي صنعت بداياتها.
عام 1995 أسست «Imagination Library» في مسقط رأسها، مستلهمة المشروع من والدها الذي لم يكن يجيد القراءة. وبحلول يونيو 2026، كان البرنامج قد أوصل أكثر من 325 مليون كتاب إلى الأطفال في أنحاء مختلفة من العالم. وكان والدها، الذي لم يعرف القراءة والكتابة، يفخر بها لأنها أصبحت بالنسبة إلى الأطفال «سيدة الكتب».
ما حُرم منه والدها لم تتركه حكاية عائلية؛ حولته إلى كتب تصل إلى أطفال آخرين.
وكان انحيازها إلى من يتعرضون للتهميش واضحًا أيضًا؛ دافعت عن المثليين والمتحولين جنسيًا، ولم تتردد في إعلان دعمها لـBlack Lives Matter حين كان الصمت أسهل.
وحين حققت «I Will Always Love You» بصوت ويتني هيوستن نجاحها العالمي، جنت دوللي ملايين الدولارات من حقوق الأغنية، واختارت أن تستثمر جزءًا منها في حي أسود في ناشفيل، حيث اشترت مجمعًا للمكاتب في منطقة كانت تقطنها وتعمل فيها غالبية من العائلات والأعمال السوداء.
وكانت لديها طريقة في النظر إلى الآخرين تكشف جانبًا أساسيًا من شخصيتها. كتبت: «عندما ألتقي شخصًا، أنظر إلى عينيه وابتسامته وأبحث عن الخير أولًا.» وكانت تقول إنها تحاول أن تترك للآخر نوره الخاص وأن تصل ذلك النور بنورها.
ربما كان سر بريق عينيها أنها كانت ترى في الآخرين ما يجعل الحياة قابلة للحب.
الماضي ليس معلومة في السيرة، بل شيء يستمر في تشكيل نظرة الإنسان إلى حاضره.
رحلت دوللي بارتون في 25 أغسطس 2026 عن 80 عامًا، بعد أكثر من ستين عامًا في الموسيقى والسينما والأعمال والعمل الإنساني. لكن رحيلها لا يلغي المسافة التي قطعتها؛ فالمرأة التي خرجت من بيت فقير في تينيسي تركت وراءها حياة واسعة، من دون أن تمحو الطريق الذي جاءت منه.
حتى بعد رحيلها، تركت دوللي بارتون للعالم سرًا موسيقيًا لم يُكشف بعد. ففي عام 2015، سجلت أغنية بعنوان «My Place in History»، أي «مكاني في التاريخ»، ثم وضعت التسجيل داخل صندوق «Dream Box» في منتجع DreamMore بولاية تينيسي، مع تعليمات بإطلاقها في 2046، يوم عيد ميلادها المئة. أرادت دوللي أن تصل الأغنية إلى جيل لم تعرفه، وأن تترك خلفها شيئًا لا يكتمل إلا بعد غيابها. وحتى بعد إسدال الستار للمرة الأخيرة، أصرت على أن تترك للعالم صوتًا ينتظر أن يُسمع.
غادرت دوللي بارتون الفقر، ولم تغادر طفولتها؛ وحين كبرت، لم تترك تلك الطفلة وحدها في الماضي، بل أخذتها معها إلى الضوء، ثم مدت يدها إلى أطفال لم تعرفهم، وتركت لهم شيئًا مما كانت تحتاجه هي يومًا: كتابًا، وأغنية، وإيمانًا بأن البداية الفقيرة لا يجب أن تكون نهاية الحكاية.
